قُلْنَا: الْإِنْسَانُ مَخْلُوقٌ لِخِدْمَةِ اللَّه تَعَالَى وَعُبُودِيَّتِهِ، فَإِذَا تَمَرَّدَ عَنْ طَاعَةِ اللَّه تَعَالَى عُوقِبَ بِضَرْبِ الرِّقِّ عَلَيْهِ، فَإِذَا أُزِيلَ الرِّقُّ عَنْهُ تَفَرَّغَ لِعِبَادَةِ اللَّه تَعَالَى، فَكَانَ ذَلِكَ عِبَادَةً مُسْتَحْسَنَةً، وَأَمَّا هَذِهِ الْحَيَوَانَاتُ فَإِنَّهَا مَخْلُوقَةٌ لِمَنَافِعِ الْمُكَلَّفِينَ، فَتَرْكُهَا وَإِهْمَالُهَا يَقْتَضِي فَوَاتَ مَنْفَعَةٍ عَلَى مَالِكِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَحْصُلَ فِي مُقَابَلَتِهَا فَائِدَةٌ، فَظَهَرَ الْفَرْقُ، وَأَيْضًا الْإِنْسَانُ إِذَا كَانَ عَبْدًا فَأُعْتِقَ قَدَرَ عَلَى تَحْصِيلِ مَصَالِحِ نَفْسِهِ، وَأَمَّا الْبَهِيمَةُ إِذَا أُعْتِقَتْ وَتُرِكَتْ لَمْ تَقْدِرْ عَلَى رِعَايَةِ مَصَالِحِ نَفْسِهَا فَوَقَعَتْ فِي أَنْوَاعٍ مِنَ الْمِحْنَةِ أَشَدَّ وَأَشَقَّ مِمَّا كَانَتْ فِيهَا حَالَ مَا كَانَتْ مَمْلُوكَةً فَظَهَرَ الْفَرْقُ.
(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ(105)
«فَإِنْ قِيلَ» : ظَاهِرُ هَذِهِ الْآيَةِ يُوهِمُ أَنَّ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ غَيْرُ وَاجِبٍ؟
قُلْنَا الْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ وُجُوهٍ:
الْأَوَّلُ: وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَرُ النَّاسِ، أَنَّ الْآيَةَ لَا تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ بَلْ تُوجِبُ أَنَّ الْمُطِيعَ لِرَبِّهِ لَا يَكُونُ مُؤَاخَذًا بِذُنُوبِ الْعَاصِي، فَأَمَّا وُجُوبُ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ فَثَابِتٌ بِالدَّلَائِلِ.
خَطَبَ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ فَقَالَ: إنكم تقرءون هذه الآية ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَضَعُونَهَا غَيْرَ مَوْضِعِهَا وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوُا الْمُنْكَرَ فَلَمْ يُنْكِرُوهُ يُوشِكُ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّه بِعِقَابٍ» .