وَالثَّانِي: أَنَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ كَلِمَةَ عَلَى حَتَّى يَدُلَّ عَلَى عُلُوِّ مَنْصِبِهِمْ وَفَضْلِهِمْ وَشَرَفِهِمْ، فَيُفِيدَ أَنَّ كَوْنَهُمْ أَذِلَّةً لَيْسَ لِأَجْلِ كَوْنِهِمْ ذَلِيلِينِ فِي أَنْفُسِهِمْ، بَلْ ذَاكَ التَّذَلُّلُ إِنَّمَا كَانَ لِأَجْلِ أَنَّهُمْ أَرَادُوا أَنْ يَضُمُّوا إِلَى عُلُوِّ مَنْصِبِهِمْ فَضِيلَةَ التَّوَاضُعِ.
(إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ(55)
فِي الْآيَةِ سُؤَالَانِ.
السُّؤَالُ الْأَوَّلُ: الْمَذْكُورُ فِي الْآيَةِ هُوَ اللَّه تَعَالَى وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ، فَلِمَ لَمْ يَقُلْ: إِنَّمَا أَوْلِيَاؤُكُمْ؟
وَالْجَوَابُ: أَصْلُ الْكَلَامِ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّه، فَجُعِلَتِ الْوَلَايَةُ للَّه عَلَى طَرِيقِ الْأَصَالَةِ، ثُمَّ نُظِمَ فِي سَلْكِ إِثْبَاتِهَا لَهُ إِثْبَاتُهَا لِرَسُولِ اللَّه وَالْمُؤْمِنِينَ عَلَى سَبِيلِ التَّبَعِ، وَلَوْ قِيلَ: إِنَّمَا أَوْلِيَاؤُكُمُ اللَّه وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا لَمْ يَكُنْ فِي الْكَلَامِ أَصْلٌ وَتَبَعٌ، وَفِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّه: إِنَّمَا مَوْلَاكُمُ اللَّه.
السُّؤَالُ الثَّانِي: (الَّذِينَ يُقِيمُونَ) مَا مَحَلُّهُ؟
الْجَوَابُ: الرَّفْعُ عَلَى الْبَدَلِ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا أَوْ يُقَالُ: التَّقْدِيرُ: هُمُ الَّذِينَ يُقِيمُونَ، أَوِ النَّصْبُ عَلَى الْمَدْحِ، وَالْغَرَضُ مِنْ ذِكْرِهِ تَمْيِيزُ الْمُؤْمِنِ الْمُخْلِصِ عَمَّنْ يَدَّعِي الْإِيمَانَ وَيَكُونُ مُنَافِقًا لِأَنَّ ذَلِكَ الْإِخْلَاصَ إِنَّمَا يُعْرَفُ بِكَوْنِهِ مُوَاظِبًا عَلَى الصَّلَاةِ فِي حَالِ الرُّكُوعِ، أَيْ فِي حال الخضوع والخشوع والإخبات للَّه تعالى.
(ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ)
أَيْ لَوْ كَانَ لَهُمْ عَقْلٌ كَامِلٌ لَعَلِمُوا أَنَّ تَعْظِيمَ الْخَالِقِ الْمُنْعِمِ وَخِدْمَتَهُ مَقْرُونَةٌ بِغَايَةِ التَّعْظِيمِ لَا يَكُونُ هُزُوًا وَلَعِبًا، بَلْ هُوَ أَحْسَنُ أَعْمَالِ الْعِبَادِ وَأَشْرَفُ أَفْعَالِهِمْ، وَلِذَلِكَ قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: أَشْرَفُ الْحَرَكَاتِ الصلاة، وأنفع السكنات الصيام.