رُوِيَ أَنَّ جَمَاعَةً مِنَ الْيَهُودِ قَالُوا: تَعَالَوْا نَذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَعَلَّنَا نَفْتِنُهُ عَنْ دِينِهِ، ثُمَّ دَخَلُوا عَلَيْهِ وَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ قَدْ عَرَفْتَ أَنَّا أَحْبَارُ الْيَهُودِ وَأَشْرَافُهُمْ، وَإِنَّا إِنِ اتَّبَعْنَاكَ اتَّبَعَكَ كُلُّ الْيَهُودِ، وَإِنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ خُصُومِنَا حُكُومَةً فَنُحَاكِمُهُمْ إِلَيْكَ، فَاقْضِ لَنَا وَنَحْنُ نُؤْمِنُ بِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ.
* تَمَسَّكَ مَنْ طَعَنَ فِي عِصْمَةِ الْأَنْبِيَاءِ بِهَذِهِ الْآيَةِ وَقَالَ: لَوْلَا جَوَازُ الْمَعْصِيَةِ عَلَيْهِمْ وَإِلَّا لَمَا قَالَ: (وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ) ؟
وَالْجَوَابُ: أَنَّ ذَلِكَ مَقْدُورٌ لَهُ وَلَكِنْ لَا يَفْعَلُهُ لِمَكَانِ النَّهْيِ.
وَقِيلَ: الْخِطَابُ لَهُ وَالْمُرَادُ غَيْرُهُ.
(وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ ...(49)
أُعِيدَ ذِكْرُ الْأَمْرِ بِالْحُكْمِ بَعْدَ ذِكْرِهِ فِي الْآيَةِ الْأُولَى إِمَّا لِلتَّأْكِيدِ، وَإِمَّا لِأَنَّهُمَا حُكْمَانِ أُمِرَ بِهِمَا جَمِيعًا، لِأَنَّهُمُ احْتَكَمُوا إِلَيْهِ فِي زِنَا الْمُحْصَنِ، ثُمَّ احْتَكَمُوا فِي قَتِيلٍ كَانَ فِيهِمْ.
(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(51)
وَمَعْنَى لَا تَتَّخِذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ: أَيْ لَا تَعْتَمِدُوا عَلَى الِاسْتِنْصَارِ بِهِمْ، وَلَا تَتَوَدَّدُوا إِلَيْهِمْ.
ثُمَّ قَالَ: (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ)
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُرِيدُ كَأَنَّهُ مِثْلُهُمْ، وَهَذَا تَغْلِيظٌ مِنَ اللَّه وَتَشْدِيدٌ فِي وُجُوبِ مُجَانَبَةِ الْمُخَالِفِ فِي الدِّينِ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ (وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي) [الْبَقَرَةِ: 249] .
ثُمَّ قَالَ: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)