ودائما ما يقترن اسم الله العلي باسمه العظيم، وكذلك عندما يذكر العرش والكرسي ففي آية الكرسي ـ أعظم آية في كتاب الله ـ بعد أن قال: { وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا } قال: { وَهُوَ العَلِيُّ العَظِيم } [البقرة:255] ، ولما ذكر علوه فقال: { فَتَعَالَى الله المَلِكُ الحَقُّ } ذكر بعده العرش بكرمه وسعته فقال: { لا إِلَهَ إِلا هُوَ رَبُّ العَرْشِ الكَرِيم } [المؤمنون:116] ، ولما ذكر إعراض الخلق عن عبادته أعلم نبيه - صلى الله عليه وسلم - في أعقاب ذلك أنه الملك الذي لا يزول عن عرشه بإعراض الرعية في مملكته كشأن الملوك من خلقه، لأنه المستغني بذاته الملك في استوائه، لا يفتقر إلى أحد في قيام ملكه أو استقراره، فقال لنبيه - صلى الله عليه وسلم -: { فَإِنْ تَوَلوْا فَقُل حَسْبِيَ الله لا إِلَهَ إِلا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلتُ وَهُوَ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ } [التوبة:129] ، وقال تعالى: { قُل لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لابْتَغَوْا إِلَى ذِي العَرْشِ سَبِيلا } [الإسراء:42] فلو كانت هذه آلهة على الحقيقة لنازعوا الحق في عليائه حتى يتحقق مراد الأقوى منهم وينفرد بالعلو كإله واحد، وهذا معلوم بدليل التمانع (1) ، أو لو أنه اتخذهم آلهة واصطفاهم لطلبوا قربه والعلو عنده لعلمهم أنه العلي على خلقه (2) .
(1) دليل التمانع دليل مشهور بين المتكلمين وهو حق في إثبات توحيد الربوبية، انظر لمع الأدلة في قواعد أهل السنة ص 99، والغنية في أصول الدين ص67، وشرح العقيدة الطحاوية ص87 .
(2) انظر: تفسير ابن جرير 15/91، والدر المنثور 5/288، وتفسير الواحدي 2/ 635 .