فهذه الآيات واضحة في إثبات علو الذات والفوقية وغيرها كثير، لكن كثيرا من المفسرين لاسم الله العلي جعلوه دالا على معنيين فقط من معاني العلو، وهما علو الشأن وعلو القهر، واستبعدوا المعنى الثالث وهو علو الذات والفوقية، والثابت الصحيح أن معاني العلو عند السلف ثلاثة معان دلت عليها أسماء الله المشتقة من صفة العلو، فاسم الله العلي دل على علو الذات، واسمه الأعلى دل على علو الشأن، واسمه المتعال دل على علو القهر .
والمتكلمون أصحاب الطريقة العقلية والأقيسة المنطقية في وصف الذات الإلهية ينفون عن الله علو الذات والفوقية لأنه عندهم يدل على إثبات المكان لله، وما كان في مكان فهو محصور فيه، ولذلك لا يجوز عندهم بحال من الأحوال أن يسأل عن الله بأين؟ وهذا مخالف لصريح السنة فقد ثبت في حديث الجارية الذي رواه مسلم من حديث معاوية بن الحكم - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لها: ( يا جارية أَيْنَ الله؟ قَالَتْ: فِي السَّمَاء، قال: مَنْ أَنَا؟ قَالَتْ: أَنْتَ رَسُولُ اللهِ قال: أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ ) (1) .
وهذا الحديث مع وضوحه كالشمس في أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - سأل عن الله بأين سؤالا لا لبس فيه ولا غموض إلا أن الكثيرين من المتكلمين تأبى أنفسهم إثباته، لأن أين هنا يتصورون منها المكان الذي في عالم الشهادة، والذي يخضع للأقيسة التمثيلية والشمولية أما المكان ذو الكيفية الغيبية الذي لا يعلم خصائصه إلا الله فهذا لا اعتبار له عندهم ولا خطر ببالهم أن يكون المراد، ولذلك فإن عقيدة السلف تفرق بين نوعين من المكان:
(1) مسلم في كتاب المساجد، باب تحريم الكلام في الصلاة 1/ 381 (537) .