الثالث: أنهم كانوا يعبدونها في الرخاء؛ فإذا جاءتهم الشدائد دعوا الله وحده وتركوها، ومع هذا فكانوا يسألونها بعض حوائجهم ويطلبون منها، وكان دعاؤهم لها دعاء عبادة ودعاء مسألة ) (1) .
والله - عز وجل - كما أمر عباده أن يدعوه بأسمائه الحسنى فإنه حذر من الإلحاد فيها؛ فقال جل شأنه: { وَللهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } [الأعراف:180] ، قال ابن القيم: ( والإلحاد في أسمائه هو العدول بها وبحقائقها ومعانيها عن الحق الثابت لها، وهو مأخوذ من الميل كما يدل عليه مادته لحد؛ فمنه اللحد وهو الشق في جانب القبر الذي قد مال عن الوسط، ومنه الملحد في الدين المائل عن الحق إلى الباطل، تقول العرب التحد فلان إلى فلان إذا عدل إليه ) (2) .
ويمكن القول على المعنى الظاهر في آية الأعراف أن الله - عز وجل - أمر بإخلاص الدعاء له بأسمائه الحسنى وأوصافه العليا، وأمر ألا يصرف شيء من ذلك إلى غيره وهو المعنى الظاهر للإلحاد فيها، فإن دعاء غير الله يستلزم وصفه بما لا يجوز إلا في حقه من أنواع الكمال التي تضمنتها الأسماء، فالذي يدعو غير الله من القباب والأوثان، ويطلب منه الرحمة والمدد والغفران، ويصرف إليه دعاء المسألة أو دعاء العبادة؛ فقد شبه المخلوق بالخالق، وسوى بينهما في صفات الكمال ووقع في شرك الإلوهية؛ لأن دعاءهم يستلزم تشبيه من لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا بمن كانت أزمة الأمور بيديه ومرجعها إليه فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن (3) .
(1) مجموع الفتاوى 15/13، وانظر للمقارنة بدائع الفوائد لابن القيم الجوزية3/515 .
(2) بدائع الفوائد 1/179 .
(3) إغاثة اللهفان 1/101، والفوائد ص28 بتصرف .