خلا قلبُه من الغيرة لله ولرسوله، فهو من المحبَّة أخلى، وإن زعم أنّه من المحبِّين، ... وإذا ترحَّلت هذه الغيرة من القلب ترحَّلت منه المحبة، بل ترحَّلَ منه الدين وإن بقيت فيه آثاره، وهذه الغيرة هي أصل الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي الحاملة على ذلك، فإن خلت من القلب لم يجاهد، ولم يأمر بالمعروف ولم يَنْهَ عن المنكر، فإنه إنما يأتي بذلك غيرةً منه لربِّه، ولذلك جعل الله - سبحانه وتعالى - علامة محبته ومحبوبيَّتِه الجهاد، فقال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [المائدة: 54] [1] ».
وقال ابن القيم - أيضًا - في معرض الكلام عن أقسام الغيرة: « ... والغيرةُ نوعان: غيرة للمحبوب، وغيرةٌ عليه. فأمَّا الغيرة له فهي الحميَّة له، والغضب له إذا استُهِينَ بحقِّه وانْتُقِصَتْ حُرْمَتُه وناله مكروه من عدوِّه، فيغضب له المحبُّ ويَحْمى، وتأخذه الغيرة له بالمبادرة إلى التغيير ومحاربة من آذاه، فهذه غَيْرَة المحبين حقًّا، وهي من غَيْرَةِ الرسل وأتباعهم لله ممن أشرك به واستحلَّ محارمه وعصى أمره» .
وهذه الغيرة هي التي تحمل على بذل نفس المحب وماله وعرضه لمحبوبه حتى يزول ما يكرهه ... والدينُ كُله في هذه الغيرة بل هي الدِّين، وما جاهد مؤمنٌ نفسَه وعدوه ولا أمر بمعروف ولا نهى عن منكرٍ إلا بهذه الغيرة، ومتى خلت من القلب خلا من الدين، فالمؤمن
(1) «روضة المحبين» (ص 281 - 282) . وانظر: «مدارج السالكين» (3/ 22) .