المبحث الثالث
تعريف الاستهزاء في الاصطلاح
هذا من حيث ورود لفظ الاستهزاء في النصوص الشرعية، أما من حيث كلام العلماء في حدِّ الاستهزاء، وتعريفهم له، وهو قليل جدًا، إذ أنّ بعض المصطلحات يَصْعُبُ على أهل العلم وضع حدٍّ لها، بل يرجع في ذلك إلى العرف، فما تعارف الناس أنه استهزاء بالله أو برسوله أو بدينه فهو كذلك.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: والاسم إذا لم يكن له حدٌّ في اللغة كاسم الأرض والسماء والبحر والشمس والقمر، ولا في الشرع كاسم الصلاة والزكاة والحج والإيمان والكفر فإنه يرجع في حدِّه إلى العرف، كالقبض والحرز والبيع والرهن والكرى ونحوها، فيجب أن يرجع في الأذى والسبِّ والشتم إلى العُرف، فما عدَّه أهل العُرْفِ سبًا وانتقاصًا أو طعنًا ونحو ذلك فهو من السبِّ، فعلى هذا كلُّ ما لو قيل لغير النبي - عليه الصلاة والسلام - أوجب تعزيرًا أو حدًَّا بوجه من الوجوه فإنه من باب سبِّ النبي - عليه الصلاة والسلام -» [1] .
وقال ابن تيمية - أيضًا: «وإذا لم يكن للسبِّ حدٌّ معروف في اللغة ولا في الشرع فالمرجع فيه إلى عُرْفِ الناس، فما كان في العرف سبًّا للنبي - عليه الصلاة والسلام - فهو الذي يجب أن ينزَّل عليه كلام الصحابة
(1) «الصارم المسلول» (ص 532) لابن تيمية، وانظر: المصدر نفسه، (ص 563) ، و «مجموع الفتاوى» (19/ 236) ، و «الفرقان» (ص 31) له.