المتكلمين: لا تعرف حقيقته , ولا يصح وصفه , وهو مما جهل العباد علمه , واستدلوا بقوله تعالى: {قل الروح من أمر ربي} وغلت الفلاسفة فقالت بعدم الروح , وقال جمهور الأطباء: هو البخار اللطيف الساري في البدن , وقال كثيرون من شيوخنا: هو الحياة , وقال آخرون: هي أجسام لطيفة مشابكة للجسم يحيى لحياته , أجرى الله تعالى العادة بموت الجسم عند فراقه , وقيل: هو بعض الجسم , ولهذا وصف بالخروج والقبض وبلوغ الحلقوم , وهذه صفة الأجسام لا المعاني , وقال بعض مقدمي أئمتنا: هو جسم لطيف متصور على صورة الإنسان داخل الجسم , وقال بعض مشايخنا وغيرهم: إنه النفس الداخل والخارج , وقال آخرون: هو الدم , هذا ما نقله القاضي , والأصح عند أصحابنا: أن الروح أجسام لطيفة متخللة في البدن , فإذا فارقته مات. ... قال القاضي: واختلفوا في النفس والروح فقيل: هما بمعنى , وهما لفظان لمسمى واحد. وقيل: إن النفس هي النفس الداخل والخارج , وقيل: هي الدم , وقيل: هي الحياة. والله أعلم. قال القاضي: وقد تعلق بحديثنا هذا وشبهه بعض الملاحدة القائلين بالتناسخ وانتقال الأرواح وتنعيمها في الصور الحسان المرفهة وتعذيبها في الصور القبيحة المسخرة , وزعموا أن هذا هو الثواب والعقاب , وهذا ضلال بين , وإبطال لما جاءت به الشرائع من الحشر والنشر , والجنة والنار , ولهذا قال في الحديث: (حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه) يعني: يوم يجيء بجميع الخلق. والله أعلم.
قوله صلى الله عليه وسلم: (فقال لهم الله تعالى: هل تشتهون شيئا. . .) إلخ هذا مبالغة في إكرامهم وتنعيمهم إذ قد أعطاهم الله ما لا يخطر على قلب بشر , ثم رغبهم في سؤال الزيادة , فلم يجدوا مزيدا على ما أعطاهم , فسألوه حين رأوا أنه لا بد من سؤال أن يرجع أرواحهم إلى أجسادهم ليجاهدوا , أو يبذلوا أنفسهم في سبيل الله تعالى , ويستلذوا بالقتل في سبيل الله. والله أعلم. اهـ