وفي الحديث المشهور"كل مولود يولد على الفطرة"قال: فقد يكون المراد بالأول وصفهم بما كانوا عليه قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم , وأنهم لو تركوا وما في طباعهم من إيثار الشهوات والراحة وإهمال النظر لضلوا. وهذا الثاني أظهر.
وفي هذا دليل لمذهب أصحابنا وسائر أهل السنة أن المهتدي هو من هداه الله , وبهدى الله اهتدى , وبإرادة الله تعالى ذلك , وأنه سبحانه وتعالى إنما أراد هداية بعض عباده وهم المهتدون , ولم يرد هداية الآخرين , ولو أرادها لاهتدوا , خلافا للمعتزلة في قولهم الفاسد: أنه سبحانه وتعالى أراد هداية الجميع. جل الله أن يريد ما لا يقع , أو يقع ما لا يريد.
قوله تعالى: {ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر} المخيط بكسر الميم وفتح الياء هو الإبرة: قال العلماء: هذا تقريب إلى الأفهام , ومعناه لا ينقص شيئا أصلا كما قال في الحديث الآخر:"لا يغيضها نفقة"أي لا ينقصها نفقة ; لأن ما عند الله لا يدخله نقص , وإنما يدخل النقص المحدود الفاني , وعطاء الله تعالى من رحمته وكرمه , وهما صفتان قديمتان لا يتطرق إليهما نقص , فضرب المثل بالمخيط في البحر , لأنه غاية ما يضرب به المثل في القلة , والمقصود التقريب إلى الإفهام بما شاهدوه ; فإن البحر من أعظم المرئيات عيانا , وأكبرها , والإبرة من أصغر الموجودات , مع أنها صقيلة لا يتعلق بها ماء. والله أعلم. قوله تعالى: (يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار) الرواية المشهورة (تخطئون) بضم التاء , وروي بفتحها وفتح الطاء , يقال: خطئ يخطأ إذا فعل ما تأثم به فهو خاطئ , ومنه قوله تعالى: {استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين} ويقال في الإثم أيضا: أخطأ , فهما صحيحان. اهـ
* وقال المباركفوري في تحفة الأحوذي قي شرح حديث الترمذي: