ذلك لزمهم في جميع أفعال العباد - طاعاتهم ومعاصيهم - إذ لا فرق؛ فإن خصوه بالرسول - صلى الله عليه وسلم - وحده وأفعاله جميعها، أو رميه وحده: تناقضوا. فهؤلاء لم يوفقوا لفهم ما أريد بالآية.
وبعد. فهذه الآية نزلت في شأن رميه - صلى الله عليه وسلم - المشركين يوم بدر بقبضة من الحصباء، فلم تدع وجه أحد منهم إلا أصابته، ومعلوم أن تلك الرمية من البشر لا تبلغ هذا المبلغ. فكان منه - صلى الله عليه وسلم - مبدأ الرمي. وهو الحذف، ومن الله سبحانه وتعالى: نهايته، وهو الإيصال، فأضاف إليه رمي الحذف الذي هو مبدؤه، ونفى عنه رمي الإيصال الذي هو نهايته، ونظير هذا قوله في الآية نفسها: {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ} [1] . ثم قال: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} [2] فأخبره: أنه هو وحده هو الذي تفرد بقتلهم، ولم يكن ذلك بكم أنتم، كما تفرد بإيصال الحصى إلى أعينهم، ولم يكن ذلك من رسوله، ولكن وجه الإشارة بالآية: أنه سبحانه أقام أسبابا ظاهرة، كدفع المشركين، وتولي دفعهم، وإهلاكهم بأسباب باطنة غير الأسباب التي تظهر للناس، فكان ما حصل من الهزيمة والقتل والنصرة مضافا إليه، وبه وهو خير الناصرين [3] .
وأما استدلالهم بقوله تعالى: {أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ} [4] .
(1) سورة الأنفال الآية 17
(2) سورة الأنفال الآية 17
(3) مدارج السالكين (3/ 426 - 427) .
(4) سورة الواقعة الآية 64