تعالى: {يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} المائدة:67، وقد شهد له الصحابة رضى الله عنهم بالبيان والبلاغ، فقال أبو ذر ضي الله عنه: (( توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما طائر يقلب جناحيه إلا ذكر لنا منه علمًا ) )، وقالت اليهود لسلمان رضي الله عنه: (( علمكم نبيكم كل شيء حتى الخراءة ) )، أي آداب التخلي، فقال سلمان: (( نعم ) )... الخ، كما في صحيح مسلم، وقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:"ما بعث الله من نبي إلا كان حقًا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، ويحذرهم عن شر ما يعلمه لهم"رواه مسلم.
ولقد كان الصحابة رضي الله عنهم حريصين أشد الحرص على إتباع النبي صلى الله عليه وسلم وطاعته، وامتثال ما أمرهم به، وترك ما نهاهم عنه، فلو أمرهم وأشار إليهم إشارة يفهم منها إحياء ليلة ميلاده لبادروا إلى الامتثال، محتسبين في ذلك الأجر والمثوبة، فهم أحرص الناس على الخير، ولو فعلوا ذلك لنقل واشتهر وتواتر العمل به في القرون المفضلة، فلما لم ينقل دل على أنهم لم يعرفوا هذا العمل، ولم يخطر لهم على بال، وإنما أحدثه من بعدهم ممن لا يقتدى بهم، وإذا ادعوا أن ذلك من قوة المحبة للنبي صلى الله عليه وسلم، فإن محبته تتمثل في اتباعه والسير على نهجه، والعمل بسنته، ثم إن محبته عليه الصلاة والسلام واجبة على المسلمين، بل يجب تقديمها على النفس والأهل والناس أجمعين، وتكون دائمة في جميع الأوقات، فلا يخص وقت من السنة بإظهار هذه المحبة.
وليست ليلة الميلاد أولى بالإحياء من يوم نزول الوحي عليه الذي هو ميزته وأمارة نبوته، حيث نزل عليه أول القرآن، وفيه الأمر بالدعوة إلى الإسلام والتوحيد، والنهي عن الشرك والكفر وفعل الجاهلية الأولى فالرخصة في إحياء ليلة الميلاد قد يدفع آخرين إلى إحياء ليلة نزول الوحي لشرفها، أو ليلة الهجرة النبوية التي اتخذت زمنًا للتاريخ الإسلامي، حيث كانت سببًا في ظهور الدين وانتشاره، وكذا ليلة العقبة حيث بايع فيها النبي صلى الله عليه وسلم الأنصار على الإسلام والنصرة وكذا ليلة وقعة بدر الكبرى الذي هو يوم الفرقان، يوم التقى الجمعان، وكذا يوم الفتح بصلح الحديبية، ويوم فتح مكة، وغير هذه الأزمنة مما له فضل وخصائص، فلما لم يجز شيء من ذلك دل على أن تخصيص ليلة الميلاد بالإحياء غير جائز، بل يدخل في البدع والمحدثات التي أضافها هؤلاء المبتدعة إلى الدين الإسلامي وهو براء منها وممن أحدثها من الجهلة بالدين، ولا يغتر بكثرة من يفعلها، ولا بمن رأى شرعيتها من بعض العلماء المشاهير من المتأخرين، الذين اغتروا بكثرة من يعملها ويحييها في زمانهم، فحرصوا مجتهدين على تسوغ موقف مشايخهم، فذكروا شيئًا من الشبهات التي يتشبث بها أولئك المبتدعة، واعتبروها نصوصًا شرعية صريحة في هذا العمل كحديث:"ما رآه الناس حسنًا فهو عند الله حسن، وما رآه الناس قبيحًا فهو عند الله قبيح"فيقال: هذا أثر عن ابن مسعود موقوف عليه، ذكره في كشف الخفاء في حرف الميم ولفظه:"إن الله نظر في قلوب العباد فاختار محمدًا صلى الله عليه وسلم فبعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد فاختار له أصحابًا فجعلهم أنصار دينه، ووزراء نبيه، فما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون قبيحًا فهو عند الله قبيح"رواه أحمد في كتاب السنة، ورواه البزار والطيالسي والطبراني وأبو نعيم من قول ابن مسعود، وهو ظاهر أنه أراد بالمسلمين الصحابة الذين اختارهم الله تعالى لصحبة نبيه ولحمل دينه، وليس فيه إطلاق الناس، وهذه البدعة لم يستحسنها المسلمون كلهم، ولا نقلت عن الصحابة ولا التابعين، فهي داخلة في القبيح والبدعة، حيث لم يعمل بها سلف الأمة، وأهل السنة في كل زمان ينكرون هذا الاحتفال، وينهون عن مشاهدته، ومن ذلك استدلالهم بقول النبي صلى الله عليه وسلم:"من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها، لا ينقص ذلك من أعمالهم شيئًا، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها، لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئًا"وهذا الحديث رواه مسلم في كتاب الزكاة في باب الحث على الصدقة، لما جاء قوم من المهاجرين حفاة عراة، فحث النبي صلى الله عليه وسلم على الصدقة حتى قال:"ولو بشق تمرة"فجاء
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)