ـ [حمد بن صالح المري] ــــــــ [22 - 12 - 09, 12:21 م] ـ
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على مَن لا نبيّ بعده، أما بعد:
فقد حفّزني رجلٌ من أبناء قبيلتي على حفظ القرآن والعلم، ورغّبني بأسلوب عجيب! وبطريقةٍ ذكيّة ولطيفة، فقال لي: (لا يوجد من عائلتكم حافظٌ واحدٌ!! وأتحدّاك تحفظ؟!) قالها أثناء ترغيبٍ وتحفيزٍ طويلٍ (ابتسامة) .
الخلاصة: استفدتُ منه كثيرًا؛ وخصوصًا في علم الحديث والعلل والقرائن، فله فيها اليد الطولى. وقد دوّنْتُ منه فوائد عدّة، أثناء قراءتي عليه كتاب التقريب للإمام النّووي، ومن مباحثات وأسئلة طرحْتُها عليه، ومن تخريجاتٍ لي عرضْتُها عليه؛ فأصلحَ وعلّم ورغّبَ ... فجزاه الله خيرَ:
فكم له عليَّ من إحسانِ ... ومن يدٍ في غابر الأزمانِ
فأسألُ المنّانَ أن يُجازيَهْ ... بكلِّ حرفٍ في الجنان العاليةْ
ولله الفضلُ والمنّة من قبلُ ومن بعد ...
قلتُ في كتاب (المختصر في المدخل لمذهب الإمام المبجّل) :"يروي عبدُ الله بن بُريدةَ عن أبيه عن جدّه قال: سمعتُ رسولَ اللهِ e يقول: (( سيكونُ بعدي بعوثٌ كثيرةٌ، فكونوا في بعثِ خُراسان ثم انزلوا مدينةَ(مرو) ؛ فإنّهُ بناها ذو القرنين، ودعا لها بالبركةِ ولا يضرُّ أهلَها سوءٌ ))"
قلتُ في الحاشية:""
(ضعيف جدًا) . هذا الحديث مروي من طريقين؛
الأول: عن أوس بن عبد الله، عن أخيه سهل، عن أبيه عن، جده بريدة ... به. أخرجه أحمد في المسند ج5/ 357، والطبراني في الأوسط ج8/ 141 غير أنّه أسقط سهلًا، وأوس يفعل هذا أحيانًا، فقد أخرج ابن عدي في الكامل ج1/ 410:"عن الحسين بن حريث، حدثنا أوس بن عبد الله بن بريدة، عن حسين بن واقد، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه قال: كان رسول الله e لا يتطيّر، ولكن يتفاءَل. فذكر فيه إسلامَ بريدة ... الحديث. قال الحسين بن حريث: سمعت أوسًا يحدث بهذا الحديث بعد ذلك عن أخيه سهل بن عبد الله بن بريدة، عن أبيه عبد الله الحديث بعينه، فأعدت عليه فقلت له: من حدثك؟ قال: حدثني أخي سهل"انتهى.
وهذا الطريق فيه سهل وعنه أخوه أوس، وكلاهما ضعيفٌ.
الثاني: عن حسام بن مصك، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه ... به. أخرجه الطبراني في الكبير (ج8/ 141) ، وحسام بن مصكّ ضعيفٌ لا يحتجّ به، قال الهيثمي في المجمع (ج10/ 67) :"في إسناد أحمد والأوسط أوس بن عبد الله، وفي إسناد الكبير حسام بن مصك، وهما مجمع على ضعفهما". ودافع ابن حجر رحمه الله عن هذا الحديث في القول المسدد (ج1/ 28) ؛ فقال رحمه الله:"وحسام وإن كان فيه أيضًا مقال فقد قال ابنُ عدي إنه مع ضعفه حسن الحديث، ولم ينفرد به كما ترى فالحديث حسنٌ بهذا الاعتبار".انتهى، وتابعه السيوطي رحمه الله في النكت (رقم 313) . فتعقّبهم الكناني في تنزيه الشريعة (ج2/ 51) ، ونقل كلامًا وجده بخط تقيّ الدّين القلقشندي نصّه:"حسّنَ هذا الحديثَ الحافظ أبو الفضل شيخُنا؛ لأجل المتابعة، وفيه نظرٌ؛ فإنّ حسامًا ليس من قبيل من يُحَسّنُ الحديثُ بمتابعته".انتهى. وقد تابع سهلًا أيضًا نوح بن أبي مريم، أخرجه ابن عدي (7/ 43) ، وابن الجوزي (1/ 309) . ونوح كذاب، والله تعالى أعلم.
قال مقيّدُه -عفا الله عنه-: نصَّ الطبرانيُّ في الأوسط (ج8/ 141) ، والعقيلي في الضعفاء (ج1/ 124) على أنّ هذا الحديث لا يُروى عن بريدة إلا من طريق أوس. وعلى هذا فطريق حسام بن مصك -والعلم عند الله تعالى- خطأ. قال طارق عوض الله حفظه الله في تعليقة على المنتخب:"أما قول ابن عدي في حسام:"حسن الحديث"فليس (الحسن) هنا على المعنى الذي اصطلح عليه المتأخرون، بل بمعنى (الغريب) أو (المنكر) ، ويؤيّده قوله عَقيب ذلك مباشرةً:"وهو إلى الضعف أقرب منه إلى الصدق".انتهى كلام طارق. وقد قال لي ذلك شيخي سعيد بن محمد المري قبل أن أطلع على كلام الشيخ طارق حفظهما الله تعالى، فالحمدُ لله على هذه الموافقة العجيبة. وقد أنكر الإمامُ أحمد رحمه الله هذا الحديث -ذكر ذلك ابن قدامة رحمه الله في المنتخب من علل الخلال (رقم 17) -."
وممن ضعّفه ابنُ حبّان؛ فقال في المجروحين (ج1/ 442) :"فيه سهل بن عبد الله منكر الحديث يروي عن أبيه ما لا أصل له لا نحب أن يشغل بحديثه"، وحكمَ الحاكم بوضعه كما في اللسان (ج3/ 120) ، وأورده ابن الجوزي في العلل المتناهية (ج1/ 309) ، وذكر العراقي في التقييد والإيضاح (ج1/ 57) أنها من مناكير المسند، وكذلك فعل ابن الأبناسي في الشذا الفيّاح (ج1/ 121) ، وأنكره الذهبيُّ في الميزان (ج1/ 446) ، وقال في (ج3/ 334) :"باطل"، وتقدم كلامُ الهيثمي، وأنكره القيسي في توضيح المشتبه (ج2/ 371) ، وفي معرفة التذكرة (ج1/ 158) ، وقال ابن كثير في البداية (ج6/ 204) :"من غرائب المسند ومنهم من يجعله موضوعا"، وضعفه كذلك المناوي، والألباني، وطارق عوض الله، وشيخي سعيد بن محمد المري عليهم جميعًا رحمة الله، والله تعالى أعلم."انتهى."
يتبع إن شاء الله ...
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)