ـ [أبو عبد الله مصطفى] ــــــــ [30 - 10 - 09, 09:51 م] ـ
خطبة المسجد النبوي - 13 شوال 1430 هـ
الحمد لله الكريم المنان القوي الكبير ذي السلطان، أحمده على ما مَنَّ به علينا من النعم والإحسان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له .. {يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} [الرَّحمن: 29] ، وأشهد أن نبينا وسيدنا محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ما اختلف الملوان، وتعاقب الجديدان وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
فيا أيها المسلمون اتقوا الله؛ فإن تقواه أفضل مُكتَسب وطاعته أعلى نسب .. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} [آل عمران: 102] .
أيها المسلمون:
مضى رمضان وانقضى بلياليه الزاهرة وأيامه العامرة وأجوائه العاطرة، فأشفى من شدة اللوح والظما، وأزال ما شفى من حرقة الصدى، واستيقظت القلوب بعد غفوة ونامت بعد قسوة، ورجعت بعد سهوة، أما القبول فعلاماته لامحة وأماراته لائحة وآياته واضحة .. حسنة تتبعها حسنة، وطاعة تؤكدها طاعة، وإحسان يتلوه إحسان، وذاك دأب العارفين بالله الخائفين من سطوته وعقوبته، الراجين لثوابه وجنته الذين قويت محبتهم لله - عز وجل - ومحبتهم لرسوله - صلى الله عليه وسلم - فأخبتت نفوسهم لله وسكنت، ورضيت به واطمأنت {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ} [الزمر: 18] .
وأما من انحلت أطنابه ووهت أركانه، وانعكس سيره بعد رمضان، فأبطل ما قدم ونقض ما أحكم، وبدل الحسنات بالسيئات، وحار بعد ما كان، وأرخى لنفسه العنان، وعاد إلى الفسوق والعصيان، فذلك الخاسر المغبون والغاوي المفتون الذي أذهب بهاء طاعته، وأحبط أجر عبادته.
أصف السمع أيها الجمع لقول الله - جل في علاه: {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ} [البقرة: 266] . قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يومًا لأصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم:"فيمَ ترون هذه الآية نزلت .. {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ} ؟ فقال عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما:"ضُرِبت مثلًا لعمل، قال عمر:"أي عمل؟"، قال ابن عباس: لعمل، قال عمر: لرجل غني يعمل بطاعة الله - عز وجل - ثم بعث الله له الشيطان، فعمل بالمعاصي حتى أغرق أعماله"أخرجه البخاري، وروى الطبراني بسنده عن قتادة في قوله - تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 33] .. قال:"من استطاع منكم ألا يبطل عملًا صالحًا عمله بعمل سيء فليفعل".. ولا قوة إلا بالله، ولا قوة إلا بالله؛ فإن الخير ينسخ الشر، وإن الشر ينسخ الخير، وإن ملاك الأعمال خواتيمها، يقول - جل في علاه: {وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا .. } [النحل: 92] ."
امرأة حمقاء خرقاء ملتاثة العقل تجهد صباحَ مساءَ في معالجة صوفها حتى إذا صار خيطًا سويا ومحكمًا قويا، عادت عليه تحل شعيراته وتنقض محكماته، وتجعله بعد القوة منكوثا، وبعد الصلاح محلولا، ولم تجنِ من صنيعها إلا الإرهاقَ والمشاقَّ، فإيَّاكم أن تكونوا مثلها، فتهدموا ما بنيتم وتبددوا ما جمعتم.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)