وهكذا هم إزاء (النفط) مذ وجدوا بعضه سائل أبيض وهو أحسن أنواعه وبعضه سائل أسود (2) بسبب امتزاجه بشوائب زفتية وقد تتراكم هذه الشوائب وتتكتل فتُخرج النفط عن رقته وسيلانه فيصبح غليظًا خاثرًا يسيل بصعوبة أو لا يسيل قط فيسمونه حينئذ زفتًا أو قارًا أو قيرًا.
وكما كان العرب يستعملون القَطِران في شفاء جرب إبلهم استعملوا هذا النفط السائل أيضًا. فكان أحدهم يتناول قليلًا منه (أي من النفط) ثم يصبه بلباقة على نُقبة بعيره (يعني على بثرة الجرب التي ظهرت أول أول في جلده) كما يصبُّ الكحال الكُحل في العين الرمداء. ولا يلزم أن يكون الكحل مسحوقًا جامدًا بل يكون سائلًا (3) أيضًا فقد قال صاحب"المحكم":"الكحل: كل ما وضع في العين يُشتفى به".
فلما استعمل العرب (النفط) علاجًا للنقَب أو لبثور النُقَب التي تبدو كالعيون في جلود إبلهم رأوا في النفط كُحلًا نافعًا لجرب الإبل ككحل العيون فلم يرضوا أن يحافظوا على اسمه القديم وهو النفط بل وضعوا له اسمًا جديدًا باعتباره شبيهًا بالكُحل فقالوا (كُحَيل) وأدخلوا عليه لام التعريف حتى كادوا لا يستعملونه من دونها. فقالوا (الكُحيل) قال القاموس وشارحه: (والكُحَيل كزُبير النفط يطلى به الإبل للجرب. وهو مبني على التصغير لا يستعمل إلا هكذا) ا هـ.
وقال صاحب لسان العرب ما نصه: (والكُحيل مبنيٌّ على التصغير هو الذي تطلى به الإبل للجرب لا يستعمل إلا مصغرًا. قال الشاعر:(مثل الكُحيل أو عقيد الرُّبِ) ا هـ.
إذن صار للنفط اسم جديد في اللغة العربية وهو (الكُحيل) وقد جاءته هذه التسمية من كونه أسود بشوائبه الزفتية ككحل الاثمد الذي اشتهر بسواده من كونه تُعالج به بثور الجرب فيكون كحلًا لها ككحل العين السائل ونسميه القطرة.
ثم على تمادي الأيام أصبح (الكحيل) من أسماء النفط وتُنوسي فيه سبب الوضع والتسمية. وقد تخطى هذا الاستعمال الصدر الأول حتى بلغ زمن العباسيين الذي اشتغل فيه علماء العرب بفنون الطب والفلك والكيمياء والتجارب فيها. وبلغوا منها مبلغ الاكتشاف: من ذلك اكتشافهم مادة كيماوية سائلة بيضاء اللون تشتعل بسرعة ولما رأوها تشبه النفط الأبيض السائل أطلقوا عليها اسمًا من أسمائه المعروفة وهو (الكُحَيل) وصاروا في كتبهم الكيماوية يستعملون كلمتين كلمة (النفط) مريدين بها الزيت المعدني المعروف وكلمة (الكُحيل) مريدين بها مادتهم المكتشفة الجديدة.
ووصلت كتب العرب في الكيمياء إلى علماء الافرنج فعرفوا لهم فضلهم في اكتشاف هذه المادة العجيبة النفع وقد سموها هم (سبيرتو) لكنهم مع هذا رأوا من وفاء الذمم أن يحافظوا على اسمها العلمي العربي الذي اصطلح عليه كيماويو العرب وهو (الكُحيل) لكنهم (أي كيماويو الافرنج) حرفوه إلى ما يناسب رطَانتهم فقالوا (الكُحول) أو (الكُؤول) .
وخلاصة القول إن علماء الكيمياء العرب سموا روح (السبيرتو) باسم من أسماء النفط وهو (الكحيل) كما مر عن القاموس. وذلك مذ رأوا الشبه تامًا بينهما (أي بين مادتهم المكتشفة وبين الكُحيل الذي هو النفط) من جهة الميوعة وبياض اللون الضارب إلى زرقة أو صفرة وقابلية الاشتعال.
أما الذهاب إلى أن"الكحول"في كتب الإفرنج محرفة عن"الغَوْل"الواردة في قوله تعالى في صفة خمرة الآخرة"لا فيها غول"فهذا يستدعي أن يكون كيماويو العرب استعملوا في كتبهم الكيماوية كلمة"الغول"القرآنية ثم أخذها الافرنج عنهم وحرفوها إلى (الكحول) مع أن أطباء العرب لم ينقل أنهم استعملوا كلمة"الغول"القرآنية لمادتهم المكتشفة.
إن الإفرنج لا يوجد في لغاتهم حرف الحاء فضلًا عن أن يخترعوها ويدسوها في كلمة"الغول"التي حرفوها إلى (الكحول) أولًا ثم إلى (الكؤول) ثانيًا ولا يخفى أن المراد بالغَوْل في القرآن الاغتيال مصدرًا لا اسمًا أي أن خمرة الجنة لا تغتال العقول.
المغربي
واطلع الكيماوي الصيدلي الدكتور محمد صلاح الدين الكواكبي وهو من أعضاء المجمع العلمي العربي كالشيخ المغربي فنشر في مجلة المجمع المجلد 29 عام 1954 في باب آراء وأنباء (ص474 - 476) بحثًا عقب فيه على رأي الشيخ بعنوان:
(غَوْل) أم (كُحُول) ؟
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)