ـ [أبو سعيد الجزائري] ــــــــ [21 - 12 - 09, 01:13 م] ـ
ضرورة التمييز بين:
الصلابة في المذهب/ والتعصُّب المذهبي.
لا شكّ أنّ كلمة (التعصُّب) ليست غَرِيبة على طالب العلم ...
فهي لَفظَة تَداوَلها العام والخاص ...
وتحضُر بِقوَّة في المحاورات الفِقهية، والفضاءات العِلمية ...
حتّى أنّ بعضهم مِمَّن ضَعُفت حُجَّته، اختارها سِلاحًا، يُشهِره في وجه مُناظِره، وخاتمةً يُنهي بها رُدوده الهزيلة.
وقد عدَّها بعضهم بأنّها (بِدعة) ... وأنّها الاِبن المشؤوم للمذاهب الفقهية ..
وألّف كتابًا .. انتهى فيه أنّ: الوسيلة الناجعة للقضاء على التعصُّب المذهبي هي:
التخلُّص ... والتحرر من المذاهب الفقهية (!) ، وأعطى بديلا .. هو: الأخذ مباشرة من الكتاب والسنَّة!!
ولا شكَّ أنّ هذه النتيجة عليها جُملَة ملاحظات ..
ومناقشَتُها تتطلَّب الوُقوف على مقدِّماتها التّي كَوَّنتها ..
ويُعتبر تعريف (التعصُّب) / المقدِّمة الأولى التي انطلق منها للوصول إلى نتيجته.
فمن ينظر إلى التعصب على أساس أنَّه: (مخالفة الدليل) .
لا شك أنّه سيربط بينه وبين التمذهب ... خصوصًا وأنَّه علِم -بما لا يدع شك- أن التمذهب يؤدي إلى مخالفة الكثير من الأحاديث.
ومن أجل ذلك ... أصبح بعض من يشتَغِل بالعلم الشرعي يعتقد أنّ ثمَة ارتباط بين الأمرين، لذلك تجد أكثرهم إذا أراد أن يقول أنّه من مذهب فلان، راح يضيف بأنّه ليس من المتعصبين له!!.
وجدت لأحدهم خُطبة مُفرَغة في بعض المنتديات في مناقب الإمام مالك رحمه الله استفتحها بقوله:
"حديثنا عن العلماء ليس تعصبًا لأحد منهم!!، فكل إنسان يُؤخذ منهويُردّ إلا المعصوم".
ولأنّي - والحمد لله- جُبِلت على حبِّ التطلع والفضول ...
فإنّي حاولت أن أُسطِّر بحثًا أُقرِّر فيه بعض الفروق القائمة بين اللفظين
عسى أن أستفيد به وإخواني في تحديد الاصطلاح ...
وأحببت بدايةً أن أَضَع تعريفًا لمصطلح التعصُّب ..
ثم تعريفا آخر لـ: (الصلابة في المذهب)
بعدها أَضَع الفروق التي تمَّ جمعها
ثم:
أحببت أن أذّيِّل البحث بذكر بعض التصرفات التّي لا يصلح أن يُوصف صاحبها بالتعصُب.
راجيا من الله عز وجل التوفيق والسداد.
ـ [أبو سعيد الجزائري] ــــــــ [21 - 12 - 09, 01:14 م] ـ
التعصُّب لغة: الاستقواء، والمحاماة، والمدافعة.
قال ابن منظور في (لسان العرب) :
التعصب: من العصبية، وهي:"أن يدعو الرجل إلى نُصرَة عَصبتِه، والتألُّب معهم، على من يُنَاوِءهم، ظالمين كانوا أو مظلومين".
أما في الاصطلاح فهو:
"انحياز لشيءٍ، والدفاع عنه دون مبرر معقول".
ويُعبِّر عنه علماء النفس بأنّه:
"نوع من الانحياز، والدفاع عن مسألة تحت تأثير العواطف".
ويصفونه بأنَّه وضع غير طبيعي، يتكوَّن ويتَرَاكم، فيتحكَّم في سلوك الإنسان كنوع من الانتقام وإشاعة الأذى للطرف المخالف.
أمّا الصلابة في المذهب
فهي وصف لمن كان تابعًا لمذهب إمام معين، وأصبح صلبا فيه، ثابتًا على قواعده، منافحا عن اختياراته.
فهي: انحياز لشيء والدفاع عنه انطلاقًا من مُعطيات موضوعية واقعية.
ـ [أبو سعيد الجزائري] ــــــــ [21 - 12 - 09, 01:15 م] ـ
الفرق الأوّل:
أنّ الصَلابة في المذهب/ تحمل صَاحِبها أن يعتقد أنّ:
قوله صحيح يحتمل الخطأ، وأنّ قول غيره خطأ يحتمل الصواب.
أمّا المتعصِّب/ فإنّه يرى:
أنّ قوله حقٌُّ وصواب، وقول غيره خطأ وباطل.
-والفرق واضح بينهما-:
إذ من يعتقد صِحَّة قوله، ويحتمل وجود الخطأ فيه يكون مستعِدًا لمناقشة غيره.
من أجل ذلك كان الشّافعي وهو صاحب هذه المقولة يُنَاظِر أقرانه، ويبحث عن الحق عِندهم.
فقد ثبت عنه كما في الفقيه والمتفقه (2/ 26) أنّه كان يقول:
"ما كلَّمت أحدًا قطُّ، إلاّ ولم أُبال/ بيَّن الله الحقَّ على لساني أو لِسانه".
فتأمل، واعتبر:
يُنقَل عنه أنّه/ كان: يرى أنّ قوله صواب، ثمّ ينتظر أن يُظهِر الله الصواب على لسان مخالفه
وهذا وجه احتمال وجود الخطأ الذّي قيَّد به قوله.
وقد بلغ في هذا الباب مبلغًا، حُقَّ لكل من تَبِعه وانتسب إليه أن يفتخر به.
قال الإمام ابن عبد الحكم كما في أعلام النبلاء (10/ 50) :
"ما رأيت الشّافعي يُناظِر أحدًا إلاّ رَحمته، ولو رأيت الشّافعي يناظرك لظننت أنّه سبع يأكلك، وهو الذّي عَلَّم النّاس الحجج".
هذا بالنسبة لمن كان صلبًا في مذهبه
أمّا من كان متعصبا، فإنّه لا يعطي فرصة لمن خالفه .. لأنّه ببساطة تعلَّم أن قوله وفعله حقّ ... لا يقبل النقاش
والأمثلة في ذلك كثيرة:
فقد روى شمس الدّين الراعي في انتصار الفقير السالك (ص: 304) :
أنّه سافر مع قاضي الشَّام الذّي كان شافعيا، ومعه عبدٌ صغير يؤذِّن لهم في الصلاة.
قال:
"فأذّن يومًا فلَحَن في آذانه، فدَعَوته، وأصلحت له اللحن، فلمّا أَذَّن ثانية لم يُربِّع، فدَعَاه وأنكر عليه إِنكارًا عظيمًا، وقال له:"
لِمَ أذَّنت مالكيًا؟!!!، ولم يقل له: لِم لا رَبَّعت التكبير؟
ثمّ التفت إليَّ منكِرًا وقال:
أنت يا سيِّدنا علَّمته؟، فقلت له: إنّما أصلحت له اللحن ..."."
فقَارِن!:
بين من كان صلبًا في مذهبِه في المثال الأوّل، وبين متعصِّب لا يملك إلاّ أن يُخطِّأ النّاس بغير حُجَّة.
فهذا فرق أوّل فاحفظَه.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)