ـ [أبو سعيد الجزائري] ــــــــ [21 - 12 - 09, 01:16 م] ـ
الفرق الثاني:
أنّ الصلابة في المذهب تجعل صاحبها يعتقد أنّ أتباع المذاهب السُنيِّة الأخرى، التّي خالفته في بعض المسائل الظنية إخوانًا له، خالفوه في حُكمِها لأنّهم نَظَروا إلى هذه المسائل من زوايا أخرى، وصَحَّت عندهم بتطبيق قواعد وأصول لها حظٌّ من النظر.
أمّا المتعصِّب/ قد:
يبلغ به الأمر أن يرى أنّ أتباع المذاهب الأخرى في الأقوال المخالفة له (هلكى) ، و (على ضلال) ، و (أصحاب بِدع) ، وربما أخرجهم من المِلَّة.
وقد وقع هذا في الأمة الإسلامية كثيرًا
ومن أمثلته:
ما جاء في تذكرة الحفاظ (3/ 375) أنّ ابن حاتم الحنبلي قال:
"من لم يكن حنبليا فليس بمسلم!".
و روى صاحب مرآة الزمان (8/ 44) أنّ المظفر الطوسي من الشّافعية قال:
"لو كان لي من الأمر شيء لأَخذت على الحنابلة الجِزية".
وروى شمس الدين الراعي في انتصاره للإمام مالك، ص: 297.
أنّ واحدا من قضاة الشافعية كان يقول:
"لو قَطَع الله أثر مذهب مالك استراحت النّاس مِنه".
وقال نجم الدّين الطوفي في شرحه على الأربعين، (ص: 260) :
"بلغنا أنّ:"
أهل جيلان من الحنابلة إذا دخل إليهم حنفي قَتَلوه، وجعلوا ماله فيئًا كحُكمِهم في الكفّار"."
ثمّ أضاف:
"وبلغنا أنّ بعض بلاد ما وراء النهر من بلاد الحنفية كان فيه مسجد واحد للشّافعية، فكان والي البلد يخرج كلّ يوم لصلاة الصبح فيرى ذلك المسجد فيقول:"
أَمَا آااان لهذه الكنيسة أن تُغلَق!
فلم يَزَل كذلك حتّى أصبح يومًا وقد سُدَّ باب ذلك المسجد بالطين واللبن، فأُعجِب بذلك"."
وحكى صاحب المغني أنّ:
"الحنابلة أحرقوا مسجدا للشّافعية"
وقام خطباء الحنفية يلعنون الحنابلة والشوافع على المنابر، ووقعت فتنة بين الحنفية والشّافعية فحُرِّقت الأسواق والمدارس"."
هذا ... ، وأنصحك إن أردت الاستزادة من مثل هذه الروايات أن تنظر الذّي حكاه ياقوت الحموي في معجم البلدان (1/ 209) ، وغيره
فإنّي لا أحب أن أطيل وأُغرِق.
ملاحظة:
إن كان إلحاق المخالف بأهل الكتاب في طريقة التعامل من آثار التعصب
فإنّ إلحاقه - أيضا- بأهل البِدع لمخالفته في مسائل ظنِّية: أثر من آثار التعصُّب أيضًا.
ومثاله، ما يقوله بعض الدُعاة أنّ:
"الدرس الراتب قبل خطبة الجمعة لا يفعله من أئمة المساجد عندنا إلاّ أهل البِدع منهم!!".
ـ [أبو سعيد الجزائري] ــــــــ [21 - 12 - 09, 01:16 م] ـ
الفرق الثّالث:
أنّ الصَلب في المذهب، يكون متعبِّدا بقول إمامه في المسألة مع:
عِلمه بدليل الإمام، وبِطريقة استدلاله
فيكون بعدها مستعِدًا أن يدافع، وينافح عمَّا اعتقده، كما يفعل إِمَامه.
أمّا المتعصِّب/
فيكتفي بتقليده دون بحثٍ عن دليله، فلا يعرف دليل القول الذّي انتحله، فضلًا عن أن يعرف قول مخالفه.
فإذا علمت ذلك:
فلا يكن همك أخي الحبيب أن ترمي مناظِرك بالتعصُّب فَورَ أن تسمع أنّه قال بقول خالف فيه حديثًا (في اعتقادك طبعا!!) ، قبل أن تعلم طريقة عرضِه للدليل، لأنّك قد تقع في التعصُّب وأنت تنهى عنه.
ومن أمثلة ذلك:
أنّ أحدهم كَتَب فقرة مَلأَها بعلامات التعجُّب (!) ، يُشنِّع على المالكية في إنكارهم لخيار المسجد، قال فيها:
"مازال!! المالكية!! المتأخرون (!) يتعصبون!!! لهذا القول (!) ولو كان مالكًا رحمه الله حيًّا وَوَصله الحديث لرجع عن قوله إلى قول النبي http://majles.alukah.net/images/smilies/salah.gif!!!....".
وجواب هذا المتعجب، ما رواه الراعي شمس الدِّين في انتصار السالك (ص: 225) أنّ:
رجلًا قال لمالك:
"يا أبا عبد الله هل عرفت حديث البيِّعان بالخيار!!!؟"
قال له: نعم، وأنت تلعب مع الصبيان في البقيع"."
وقال له آخر:
"لِم رَويت حديث (البيعان بالخيار) في الموطأ ولم تعمل به؟"
قال له مالك:
لِيعلم الجاهل مِثلك أنّي على عِلم تركته"."
ـ [أبو سعيد الجزائري] ــــــــ [21 - 12 - 09, 01:17 م] ـ
الفرق الرابع:
أنّ الصَلب في مذهبه يرى أنّ إمامه بلغ درجة الاجتهاد المطلق، وفتح الله عليه، إلاّ أنّ الخطأ والزلل قد يقع منه، سواء كان ذلك:
سهوًا منه، أو لانفلات قاعدة فقهية، أو أصولية، أو لغوية أثناء تعامله مع النصوص التي يريد تنزيلها على الحوادث.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)