قال في [البحر] : ولو قيل بأنه ماشيا أفضل إلا في رمي جمرة العقبة وفي اليوم الأخير لكان له وجه؛ لأنه ذاهب إلى مكة المكرمة في هذه الساعة كما هو العادة، وغالب الناس راكب فلا إيذاء في ركوبه مع تحصيل فضيلة الاتباع له عليه الصلاة والسلام. اهـ (1) .
وقال السرخسي: وإن رماها راكبا أجزأه؛ لحديث جابر رضي الله عنه:
«أن النبي صلى الله عليه وسلم رمى الجمار راكبا» . اهـ. (2) .
وفي [المدونة الكبرى] : قلت: فهل يرمي الرجل الجمار راكبا أو ماشيا، قال: قال مالك: أما الشأن يوم النحر فيرمي جمرة العقبة راكبا كما يأتي على دابته يمضي كما هو يرمي، وأما في غير يوم النحر فكان يقول: يرمي ماشيا، قلت: فإن ركب في رمي الجمار في الأيام الثلاثة أو مشى يوم النحر إلى جمرة العقبة فرماها ماشيا هل عليه لذلك شيء؟ قال: ليس عليه لذلك شيء. اهـ. (3) .
(1) [رد المحتار على الدر المختار] (1\ 254) .
(2) [المبسوط] (4\ 69) .
(3) [المدونة الكبرى] (1\ 325) .
وقال الدسوقي: (قوله: وإن راكبا، أي: إذا وصل إليها ماشيا؛ بل إن وصل إليها راكبا، وهذا من تعلقات الندب، أي: أنه يندب أن يرميها حين وصوله على الحالة التي وصل عليها من ركوب أو مشي فلا يصبر حتى ينزل إذا وصل راكبا ولا يصبر حتى يركب إذا وصل إليها ماشيا؛ لأن فيه عدم الاستعجال برميها. اهـ(1) .
وقال الشافعي: ولا يرمي يوم النحر إلا جمرة العقبة وحدها ويرميها راكبا، وكذلك يرميها يوم النفر راكبا ويمشي في اليومين الآخرين أحب إلي. ثم قال: وإن ركب فلا شيء عليه ثم ساق رواية قدامة بن عبد الله بن عمار الكلابي قال: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يرمي جمرة العقبة على ناقته الصهباء وليس ضرب ولا طرد ولكن قيل: إليك إليك» (2) اهـ (3) .
وقال النووي (4) : (فرع) مذهبنا: أنه يستحب رمي جمرة العقبة يوم النحر راكبا إن كان دخل منى راكبا، ويرمي في أيام التشريق ماشيا، إلا يوم النفر فراكبا، وبه قال مالك، قال ابن المنذر: وكان ابن عمر وابن الزبير وسالم يرمون مشاة واستحبه أحمد، وكره جابر الركوب إلى شيء من الجمار إلا لضرورة. قال: وأجمعوا على أن الرمي يجزئه على أي حال إذا وقع في المرمى، دليلنا: الأحاديث الصحيحة السابقة (5) . أن النبي صلى الله عليه وسلم رمى جمرة العقبة راكبا يوم النحر والله أعلم.
(1) [حاشية الدسوقي على الشرح الكبير] (2\ 45) .
(2) سنن الترمذي الحج (903) ,سنن النسائي مناسك الحج (3061) ,سنن ابن ماجه المناسك (3035) ,مسند أحمد بن حنبل (3/ 413) ,سنن الدارمي المناسك (1901) .
(3) [الأم] للشافعي (2\ 213) .
(4) [المجموع] للنووي (8\ 183)
(5) يشير بذلك إلى حديث أم سلمة قالت: رأيت رسول الله،صلى الله عليه وسلم يرمي الجمرة من بطن الوادي وهو راكب (8\ 154) من [المجموع] . وإلى حديث أم أبي الأحوص قالت: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يرمي الجمرة من بطن الوادي وهو راكب (8\ 175) من [المجموع] .
وقال ابن قدامة (1) : ويرميها راكبا أو راجلا كيفما شاء؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم رماها على راحلته رواه جابر، وابن عمر، وأم أبي الأحوص، وغيرهم، قال جابر: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يرمي على راحلته يوم النحر ويقول: خذوا عني مناسككم، فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه» (2) .
وقال نافع: «كان ابن عمر يرمي جمرة العقبة على دابته يوم النحر وكان لا يأتي سائرها بعد ذلك إلا ماشيا ذاهبا وراجعا، وزعم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يأتيها إلا ماشيا ذاهبا وراجعا» (3) رواه أحمد في [المسند] ثم قال: وفي هذا بيان للتفريق بين هذه الجمرة وغيرها اهـ.
وقال البهوتي (4) : فإذا وصل إلى منى. . . بدأ بها راكبا؛ إن كان راكبا؛ لحديث ابن مسعود: أنه «انتهى إلى جمرة العقبة فرماها من بطن الوادي بسبع حصيات وهو راكب، يكبر مع كل حصاة» (5) . . . إلى أن قال: هاهنا كان يقوم الذي أنزلت عليه سورة البقرة. رواه أحمد. وظاهر كلام الأكثر ماشيا وإلا - أي: لم يكن راكبا - رماها ماشيا. اهـ.
مما تقدم يتبين: أن النبي صلى الله عليه وسلم رمى الجمرة راكبا، وأن الفقهاء اتفقوا على أنه يجزئ الرمي راكبا وماشيا.
واختلفوا في الأفضل منهما، هل هو الرمي ماشيا؛ لأنه أقرب للتواضع
(1) [المغني مع الشرح الكبير] (3\ 449) .
(2) صحيح مسلم الحج (1297) ,سنن النسائي مناسك الحج (3062) ,سنن أبو داود المناسك (1970) .
(3) سنن الترمذي الحج (900) ,سنن أبو داود المناسك (1969) ,مسند أحمد بن حنبل (2/ 138) .
(4) [كشاف القناع] (2\ 449)
(5) صحيح البخاري الحج (1664) ,صحيح مسلم الحج (1296) ,سنن الترمذي الحج (901) ,سنن النسائي مناسك الحج (3073) ,سنن أبو داود المناسك (1974) ,سنن ابن ماجه المناسك (3030) ,مسند أحمد بن حنبل (1/ 427) .
والبعد عن إيذاء المشاة، وإنما رماها صلى الله عليه وسلم راكبا؛ ليراه الناس ويسألوه ويقتدوا به، أو الرمي راكبا اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم.
وعلى هذا يمكن أن يقال: إذا جاز رمي الجمرات راكبا جاز السعي فوق سقف المسعى، فإن كلا منهما نسك أدي من غير مباشرة مؤدية للأرض التي أداه عليها؛ بل السعي فوق السقف أقرب من أداء أي شعيرة من شعائر الحج أو العمرة فوق البعير ونحوه؛ لما في البناء من الثبات الذي لا يوجد في المراكب. .
ونظرا إلى أن السعي فوق سقف المسعى لم نقف فيه على نصوص للفقهاء، وأن ما يرجع إليه من أقوالهم للاسترشاد بها على هذه المسألة ليس بكثير وليس الخلاف فيه كثيرا - اكتفينا بما نقلناه، سائلين الله التوفيق للجميع.
وصلى الله على محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو عضو
عبد الله بن سليمان بن منيع عبد الله بن عبد الرحمن بن غديان
نائب رئيس اللجنة رئيس اللجنة
عبد الرزاق عفيفي إبراهيم بن محمد آل الشيخ
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)