ويليه في الوضوحِ كونُ الفرعِ مساويًا للأصلِ في المعنى، وذلك كإيجاب نفقةِ الوالدِ عندَ العجزِ عن الاستقلالِ؛ قياساً على نفقةِ الولدِ عندَ العجزِ عن استقلاله بنفسه.
ويليهِ في الوُضوح ألَّا يكونَ فيه شبَهٌ منهُ، وإنَّما فيه خَصيصةٌ من خصائِصِه، وذلك كسجودِ التلاوةِ يجوزُ فعلُهُ على الراحِلَةِ، وذلكَ من
خَصائِصِ النَّوافلِ، فيكونُ غيرَ واجبٍ مثلَها.
ويليهِ في الوضوح كونُ الفرع فيه شَبَهٌ منْ معنَيينِ، وهو في أحدِهما أكثُر شبهًا، فيردُّ إليه، وذلك كالعبدِ يشبهُ الحرَّ في أنَّ عليهِ صومًا وصلاةً وحدًّا، ولهُ نكاحٌ وطلاقٌ، وقتلُهُ حَرامٌ، وفيهِ الكفارةُ، ويشبهُ البهيمةَ في أنُه مالٌ مُتَقَوَّمٌ، فجعلَ الحكم في قيمته عنَد قتلِهِ خطأً على عاقِلَةِ الجاني؛ قياسًا على الحُرِّ، وجعل جراحَهُ من قيمتِهِ كجراحِ الحُرِّ من دِيَتِه.
ويليه في الوضوح أن يُعَلَّقَ الحُكْمُ على اسمٍ مشتَقٍّ من صِفَةٍ، فيغلبُ على الظَّنِّ أَنه عِلَّةُ الحُكْم، فيقاسُ علَيه، كقوله - صلى الله عليه وسلم -:"لا تَبيعوا الطعامَ بالطعامِ إلا مِثْلًا بمِثْلٍ"، وكقوله تعالى: وَالسَّارِقُ
وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا [المائدة: 38] .
* وللقياس أمورٌ تفسدهُ، وأمورٌ أخرى تعارِضُه، كما في الألفاظِ، وقد ذكرها أهلُ العلمِ بِصَنْعَةِ القياسِ.
وعلى الجملة، فهو ميزانُ العقولِ، ومَيْدانُ الفُحولِ.
قال أبو عبدِ الله الشافعيُّ: ولا يقيسُ إلَّا من جمعَ الآلةَ التي لهُ القياسُ بها، وهي العلمُ بأحكامِ كتابِ الله تعالى: فرضِه، وآدابِه، وناسخِه، ومنسوخِه، وعامِّه، وخاصِّه، وإرشادِه.
ويستدلُّ على ما احتملَ التأويلَ منه بسننِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - ، فإن لم يجدْ سنَّةً، فبإجماعِ المسلمينَ، فإن لم يمكنْ إجماع، فبالقياسِ.
ولا يكونُ لأحدٍ أن يقيسَ حتى يكونَ عالِمًا بما مضى قبلَهُ من السُّنَنِ، وأقاويلِ السَّلَفِ، وإجماعِ الناسِ واختلافِهم، ولسانِ العرب.