أما المحكم، فقالَ ابنُ عَبّاسٍ - رضيَ اللهُ تعالى عنهما -: المُحْكَماتُ
اللَّواتي هُنَّ أُمُّ الكِتاب مثلُ قوله: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ} [الأنعام: 151] إلى آخِرِ الثلاثِ الآياتِ، وهُنَّ أُمُّ كل كتاب نزلَ.
والمُتشابِهاتُ: ما اشْتبَهَ على اليَهودِ حينَ سَمِعوا {آلم} فقالوا: هذا بالجُمَّلِ أَحَدٌ وسبعونَ، وهذا غايةُ أَجَلِ هذهِ الأُمَّة، فلما سمعوا {آلر} وغيرَها، اشْتبَهَتْ عليهم.
وقال جابرٌ - رضيَ اللهُ عنه -: المُتشابهُ ما لا يُعلم تعيينُ تأويلِه؛ كقيامِ الساعةِ، وخُروجِ دابّهِ الأرضِ، ويأجوجَ ومَأجوجَ.
وقال عبد الملك بن جُريج: هو ما لا سبيلَ إلى مَعْرِفَتِهِ، والمَرْءُ مُبتلًى باعتقادِ حَقيقَتِهِ لا غَيْر، كَصِفَةِ اليَدِ والوَجْهِ والاسْتِواءِ؛ لأنَّه تَخَالَفَ فِيهِ السَّمْعُ والعَقْلُ؛ لاشْتِباهِ لَفْظِهِ بما لا يَليقُ بمعناهُ، والحِكْمَةُ فيهِ اعترافُ العبدِ بعَجْزِهِ، فَيَذِلُّ لمَولاه، فالحكيمِ إذا صَنَّفَ كِتاباً؛ ربَّما أَبْهَمَ فيما أَفْهَمَ؛ ليرجِعَ الطالبُ في ذلكَ إليهِ، فيأخَذ مِمَّا لَدَيهِ، ويعترفَ بِعَجْزِهِ وافْتِقارهِ إليه.
وقال بَعْضُهُمْ: المُتَشابِهُ: هو القصصُ والأَمْثالُ، والمُحْكَمُ: هوَ الحلالُ والحَرامُ.
وهذا ضعيف جدًا.
وأَمَّا الوَقْفُ على المَوضِعِ الذي تَمَّ بهِ المَعْنى، فهوَ على قوله سبحانَه: {إِلَّا اللَّهَ} على قولِ منْ زَعَم أنَّ الراسخينَ لم يعلموا تأويلَهُ، وهمْ أكثرُ أهلِ العلمِ منَ المُفَسِّرينَ وغَيْرِهم، ويكونُ {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} مُبْتَدَأَّ بَعدَ وَقْفٍ، ويشهدُ له قراءةُ عبدِ اللهِ: (إنْ تأويلُه إلَّا عندَ اللهِ) ، وقراءَةُ أُبَيٍّ وابنِ عباس - رضيَ اللهُ عنهُما - ، (ويقولُ الرَّاسخونَ) الآية.
الثانية: قوله - جَل جلالُه -: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ
تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ [الزمر: 23] فقيلَ: متشابِهاً في العَدْلِ والإِعجاز، وقيل غيرُ ذلك مِمّا هو في معناهُ.
و {مَثَانِيَ} قال ابنُ عَبّاسٍ - رضيَ اللهُ عنهُ -: يُحْمَلُ بعضُها على بعضٍ.
وهذانِ النوعانِ - أعني نَوعَي المُتَشابِهِ - مِمّا اخْتَصَّ بهما القرآنُ، وكذا السُّنَّةُ المُحَمَّدِيَّةُ - على صاحبِها أفَضلُ الصلاة والسلام - .