فلو قالَ أيضًا: هُنا حَصْرٌ، وهو قولُه - صلى الله عليه وسلم -:"إنَّما هيَ التَّسبيحُ والتَّهْليلُ"لم يَصِحَّ؛ لِمَا ذكرتُ من أنه قصدَ تعليمَه تحريمَ خِطاب الآدميينَ بَعْضِهم مَعَ بعضٍ في الصَّلاةِ، كَما هو السَّبَبُ الذي وردَ عليهِ الخِطابُ.
وهذا كثيرٌ في القرآنِ والسُّنَة لا ينتبه لهُ إلا منْ هداهُ اللهُ الكريمُ، ورسخَتْ قدمُهُ في العِلْم، فنسألُ الله الكريمَ الهِداية والرحمةَ بفضلِه، إنه ذو الفَضْلِ العظيمِ.
* ثم اعلموا - رَحِمَكُمُ اللهُ - أنِّي لا أقولُ بقَصْر الأَلفاظِ على أسبابها، وإن كانَ قدْ ذهبَ إليهِ جَماعَةٌ منْ أهلِ العلمِ؛ فإنَّ أكثرَ أَحكامِ الشرعِ وردَتْ
على قَضايا وأسبابٍ، ولم تُخَصَّ بها أَسْبابُها, ولم تقصرْها عليها، وذلكَ كآيةِ القَذْفِ واللِّعانِ والظّهار، وغيرِ ذلك، وكقوله - صلى الله عليه وسلم -:"الوَلدُ للفِراشِ، ولِلعاهِرِ الحَجَرُ"، وكقوله - صلى الله عليه وسلم - في بئر بُضَاعَة:"الماءُ طَهورٌ لا يُنَجِّسُهُ شيءٌ؛ إلَّا ما غَيَّرَ طَعْمَهُ أو ريحَهُ"، وغيرِ ذلك.
ولكنْ ينبغي للناظِرِ أن ينظرَ في قرائنِ الألْفاظ، وشواهِدِ الأحْوالِ، فإنْ لم يجدْ ما يدلُّ على تَعْدِيَةِ الحُكْمِ، أو قَصْرِهِ، نظرَ في الأدِلَّةِ الخارجَةِ، فإنْ لم يجدْ أُمْضِيَتِ الأَلْفاظُ على حَقائِقِها وأَوْضاعِها؛ كما هوَ مذهبُ الإمامِ أبي عبدِ اللهِ الشافعيِّ رحمهُ اللهُ تعالى.
القولُ في مَعرفة المُتشابه والمُتعارض
أما المُتشَابه، فإنَّه ورَد على معنيينِ مختلفينِ في آيتينِ من كتاب اللهِ جَلَّ جلالُه:
إحداهما: قولُه - جل جَلالُهُ -: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (7) } [آل عمران: 7] فهذه الآية قد كَثُر فيها كلامُ أهلِ العِلْمِ من الخَلَفِ والسَّلَفِ؛ لعِظَمِ شأنِها، فاختلفوا في حقيقةِ المُتَشابهِ، وفي موضِع الوَقْفِ منها عندَ التّلاَوةِ.