الآيةِ الرَّدُّ على المُشركين، وذلكَ أَنَّهم كانوا يُحِلُّون المَيْتةَ والدَّمَ ولَحْمَ الخِنْزيرِ وما أُهِلَّ بهِ لغيرِ اللهِ، ويتحرَّجونَ عنْ أشياءَ كثيرةٍ منْ مُباحاتِ الشرعِ، ويرونَها حَراما، فقصدَ الرَّدَّ عليهم بالخطابِ المُتَضَمّنِ للنَّفْي والإثباتِ لِيكونَ أَبْلَغَ في الرَّدِّ، فكأنهُ قال: قُلْ لا أجِدُ حَرامًا إلا ما حَلَّلْتُموه، ولا أجِدُ حَلالاً إلَّا ما حَرَّمْتُموه، وأَكَّدَهُ بالنَّفْي والإثباتِ، ولم يَقْصِدْ حقيقةَ النفيِ والإثباتِ مُطْلَقاً، ولو قصدَ ذلكَ، لوجبَ أَنْ يُحِلَّ كُلَّ ذي نابٍ من السِّباع، وكلَّ ذي مِخْلَب من الطَّيْرِ، وغيرَ ذلك من الخبائِثِ، وقَدْ نهى عنهُ - صلى الله عليه وسلم - .
ومثلُهُ قولُ اللهِ - تبارك وتعالى -: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [التوبة: 34] .
القَصْدُ من هذهِ الآيةِ الذَّمُّ للكافِرينَ والتهديدُ لهم، لا بيانُ حُكْمِ الإنْفاقِ، فلو تَمَسَّكَ مُتَمَسِّكٌ بوُجوبِ الزكاةِ فيما دون النِّصابِ، واحتجَّ بهذهِ الآيةِ، وقال: هي عامَّةٌ في القليلِ والكثيرِ؛ لأَنَّ لفظَها عامٌّ، لَمْ يَجُزْ؛ لأنَّ ذلكَ لمْ يُقْصَدْ بالآية؛ خِلافاً لبعض أصحابِ الشافعيِّ في هذهِ الآيةِ؛ وفي نظائِرِها من الآياتِ اللاتي يَقْتَضين المَدْحَ والذَّمَّ؛ كقوله تَعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ} [المؤمنون: 5] .
ومثلُهُ قولُه - صلى الله عليه وسلم -:"فيما سَقَتِ السَّماءُ العُشْرُ"، القَصْدُ بِه بيانُ مِقدارِ
الزكاة، لا بيانُ ما تَجِبُ فيهِ الزكاة، فلو تمسكَ بهِ متمسكٌ في وجوبِ الزكاةِ في القليلِ، لم يَصِحَ.
ومثلهُ قولُه - صلى الله عليه وسلم -:"إن صَلاتَنا هذهِ لا يَصْلُحُ فيها شَيء مِنْ كَلامِ الآدَمِيِّينَ، إنَّما هِيَ التسبيحُ والتهْليلُ"، القَصْدُ بذلكَ تعليمُهُ أنَّ الخطابَ بالكَلام في الصَّلاةِ لا يَصْلُحُ، فلو تمسّكَ به متمسك بانَّ الدعاءَ بأمورِ الدُّنيا في الصَّلاةِ يُبْطِلُها؛ كقولِ السائِل: اللَّهُمَ ارْزُقْني زَوْجَة حَسَنَة، أو دارًا واسعة؛ لأنَّ هذا يُشْبِهُ كَلامَ الآدميينَ، لَمْ يصحَّ.