والدليلُ عليهِ قولُ اللْهِ - عَز وجَل -: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ} [النور: 63] , وقولُ النبيّ - صلى الله عليه وسلم -:"لَوْلا أَنْ أَشُق عَلَى أمتي لأَمَرتُهُمْ بالسّواكِ عِنْدَ كُلّ صلاةٍ"، وما أشبَهَهُ من الأخبار.
والواجبُ على الناظر إذا ورد الأمرُ أن يَنْظُرَ، فإنْ وجدَ معَهُ شيئًا يَدُلُّ على الحَتْمِ، حَمَلهُ عليهِ، وإن وجد ما يَدُلُّ على النَّدْبِ أو غيرهِ، حَمَلَهُ عليه، وإلا حَمَلَهُ على الوُجوب.
وكُلُّ ما جاز أن يُسْتَدَلَّ بهِ على تَخْصيصِ العامِّ، جازَ أن يُسْتَدَلَّ بهِ على أنَّ الأمرَ ليسَ على الوُجوب.
* الثانية: إذا وردَ لفظُ الأمرِ، وفي الصيغةِ ما يدلُّ على التكْرارِ، حُمِلَ على التّكْرار، وإنْ كانَ مُجَرَّداً، ففيهِ خلاف بينَهُمْ:
فَمِنْهُمْ مَنْ قالَ: يجبُ التكرارُ على حَسَبِ الطاقةِ؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -:"إذا أَمَرْتكمْ بأَمْرٍ فَأتوا مِنْهُ ما استَطَعْتُمْ"، وهذا داخِل في الاستِطاعَة.
ومنهمْ من قال: لا يَجِبُ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّة واحِدَة؛ لأنهُ مُقْتَضى لَفْظِ الأَمْر.
* الثالثةُ: الأَمْرُ هَلْ تقتَضي الفِعْلَ على الفَوْرِ، أوْ لا؟
إنْ قُلْنا: إنَّ الأمرَ يَقْتَضي وجوبَ التكرارَ على حَسَبِ الاستِطاعَةِ، وجَبَ الفِعْلُ على الفَوْرِ؛ لأنَّ الحالة الأُولى داخلةٌ في الاستِطاعة، فلا يجوزُ إِخْلاؤها من الفِعْلِ.
وإنْ قُلْنا: إن الفعلَ يَقْتَضي مَرَّةً واحِدَة، فَهَلْ يَقْتضي الفَوْرَ؟ فيهِ مذهبان.
* الرابعةُ: إذا وَرَدَ الأمْرُ بعدَ الحَظْرِ والمنعِ، فهل يقْتَضي الوُجوبَ؟ فيه مذهبان:
أحدهما: يقتضي الوُجوبَ، بدليلِ قوله تعالى: {فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ} [التوبة: 5] الآية، ولأن كل لفظ اقتضى الوجوبَ إذا لم يتقدمْهُ حَظْرٌ، اقْتَضى الوجوبَ وإنْ تقدَّمَهُ حَظْرٌ؛ كقولكَ: أوجبْتُ، أو فَرَضْتُ.
والثاني: لا يَقْتَضي الوُجوبَ، ويكون الحَظْرُ قرينة صارفَةً لهُ عن الوجوبِ؛ كقوله تعالى: {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ} [البقرة: 222] , وبهذا قال مالِكٌ وكَثْرَةٌ من أصحابِ الشافعيِّ - رضي الله تعالى عنهم - .