وذكر بعض أهل العلم أن الصحابة - رضيَ اللهُ تعالى عنهم - استعملوا المُحاذاة في رَسْمِ المُصْحَف، فكتبوا: {وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى} [الضحى: 2] بالياء، وهو من ذَواتِ الواوِ، وقُرِنَ بغيرِهِ من ذَواتِ الياء، ومنْ هذا النوعِ قوله تعالى: {لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ} [النمل: 21] فاللَّامان لاما قسَمٍ، ثم قال: {أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ} [النمل: 21] وليسَ هوَ قَسَماً، بلْ هُوَ عُذرٌ للهُدْهُدِ، لكنهُ لَمّا أتى به على أَثَرِ ما يجوزُ فيه القَسَمُ، أجراه مُجْراهُ. وقولُه تعالى: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ} [النساء: 90] .
السابعُ: أن يُسمَّى الشيءُ باسمِ ما يَؤُولُ إليهِ: كقولِ اللهِ: إِنَّ الَّذِينَ
يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا [النساء: 10] وقوله تَعالى: {إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا} [يوسف: 36] .
الثامنُ: أَنْ يُسَمَّى الشيءُ بما كانَ عليهِ: كقولِه - صلى الله عليه وسلم -:"لا يَحِلُّ دَمُ امْرئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِإِحْدَى ثلاث: كُفْرٌ بعدَ إيمانٍ"، وقد سَمَّاهُ: مُسْلِماً.
التاسع: تسميتُهم الشيءَ بما يَستحيلُ وُجودُه: كقولهم للأعمى: بصيرٌ، وللأحدب: غُصْنٌ، وللطويل: نَخْلَةٌ، وللأَبْلَهِ: كَيِّس، وللَّديغِ: سليمٌ، وللخبت الواسعِ: مفازةٌ.
وللتمييز بين الحقيقةِ والمَجاز - عندَ الاشتباهِ - طُرُقٌ ذكرهَا النُّظَّارُ، وليسَ ذكرُها من غرضي.
القول في الأمر والنهي
الأمرُ في لسانِ العَرَبِ: ما أَوْجَبَ طاعَةَ الآمِرِ، وإذا لم يَفْعَلْهُ المَأْمورُ كان عاصياً، كَما عُقِل ذلكَ من عادتِهم إذا أمَرَ السيدُ عبدَه.
ومعناهُ عندهم: الاستدعاءُ والطَّلَبُ، وسواءٌ كان بصيغة افْعَلْ، أو لِيَفْعلْ، أو غيرِهِما، وما ليسَ معناهُ الطلبَ فليسَ بأمرٍ حقيقةً، وإنْ كانَ بصيغةِ افْعَل.
والكلامُ فيه يتمُّ في فَصْلَينِ:
أحدُهما: في مُقْتَضى الأمرِ عندَ أهلِ العِلْمِ.
والثاني: في كيفيةِ تَصَرُّفِ العربِ في استعمالِه.
الفصلُ الأولُ وفيه أربعُ مسائلَ:
* الأولى: الأمر هَلْ يقْتَضي الوُجوبَ؟
فيه خلافٌ كثيرٌ بينَ أَهْلِ العِلْمِ.
والصحيحُ عندَ الجُمهورِ أنهُ على الوجوبِ.