فإنه لا يُعرف الحدُّ الذي ينبغي أن يُسَمَّى به فقيراً أو مسكيناً معرفةً حقيقية، وإنما يُعرف بضربٍ من التقريب، ولهذا بيَّن النبيُّ - صَلَّى اللهُ عليهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لأصحابه، وهمْ أفصحُ العربِ وأعرفُهم بلسانِها، فقالَ:"ليس المسكينُ بهذا الطَّوَّافِ الذي يَطُوفُ على الناس، فتردُّهُ اللُّقْمَةُ واللُّقْمتانِ، والتَّمْرَةُ والتَّمْرَتانِ"، فقالوا: وما المسكين؟ قال:"الَّذي لا يَجِدُ غِنًى يُغْنيهِ، ولا يُفْطَنُ لَهُ فَيُتَصَدَّقُ عليهِ، ولا يَسْألُ النَّاسَ شَيْئاً".
ولأجل هذا اختلف الفقهاء في حقيقةِ الفقيرِ والمسكين، ولو كان لَهُ حَدٌّ في اللغةِ، لَرَجَعوا إليه، ولم يَخْتَلفوا.
وبيان هذا الصِّنفِ يُؤْخَذُ من بيانِ الصِّنْفِ الذي يليه.
رابعها: أن يَذْكُرَ المتكلمُ شيئاً معلوماً، ولكنْ أجزاؤه مُتَفاوِتَةٌ، ويُعلِّقَ
عليه حُكْماً، ولا يُدْرَى هل المُرادُ بالحكم أدنى دَرَجاتِه أو أَقْصاها.
وذلكَ كقولِ اللهِ تعالى: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ} [البقرة: 196] ، والرجوعُ شيءٌ معلومٌ، ولهُ بِدايةٌ ونِهاية، ولم يُعْقَل من اللفظ أن المرادَ بالرجوعِ ابتداؤه أو انتهاؤه.
ومثل ما قد عُلِمَ الفَرْقُ بين قليله وكثيرِهِ، وعُلِّقَ الحكمُ بأحدِهما، ولكن لا يعلم ما حدُّ ذلكَ القليلِ والكثيرِ.
وبيانُ هذا النوعِ والنوعِ الذي قبلَه أن يُصارَ فيه إلى حدِّ شيءٍ من أنواع الدّلالة:
1 -إمَّا بأن يوجَدَ فيه قولٌ أو فعل من النبيِّ - صَلَّى اللهُ عليهِ وآلهِ وسَلَّم - .
2 -أو قولٌ أو فعلٌ من الصَّحابة - رضيَ اللهُ عنهمْ - ، أو قولُ واحدٍ لا يُعلَمُ له مخالفٌ، ولو قلْنا: إنه ليسَ بحجَّةٍ على القولِ الجديدِ للشافعيِّ رضيَ اللهُ تَعالى عنه.
3 -أو اعتبارِه ببعضِ الأُصول التي قد ثبتَتْ فيها التقديراتُ والحدودُ إذا لم يوجَدْ شيءٌ يُردّ إليه أدلّ منه، وإن خرجَ ذلكَ عنْ تحقيقِ القياسِ؛ لأن التقريبَ والإعمالَ خيرٌ من التَّعْطيِل والإهمال.
4 -وإن لم يوجد في الأصول ما يُرْجَعُ إليه، رُجِع في بيانه إلى النظر فيما قُصِدَ له ذلك الشيءُ، فما أدَّى إلى إسقاطِ المعنى المقصودِ تُرك، وما لمْ يُسْقِطْه، اعتُبر.
5 -وإن لم يوجدْ بيانُه فيما قصد له من ذلك القصد، رُجِع في بيانِه إلى ضَرْبٍ من التقريبِ مِمَّا يُعْقَل ويُعْرَف.