وأما المُشْكِلُ، وهو الذي تسميه الشافعيةُ:"المُجْمَل"، فنوعٌ حَسَنٌ في اللَّسان في بعضِ الأَحْوال، إذْ هوَ من مَقاصِدِ العقلاء، ومُسْتَحْسَناتِ الفُضَلاء.
كما رُويَ أنَّ أهلَ السُّنَّةِ والشِّيعَةِ اخْتَصموا في بَغْدادَ في تَفْضيلِ أبي بَكْرٍ وعَلِيٍّ - رضيَ اللهُ تعالى عنهُما - فرضُوا بما قال أبو الفَرَج بنُ الجَوْزِيِّ، فَسُئِلَ عنْ ذلك؛ فَقَالَ: مَنْ كانَتِ ابنتُه تَحْتَه؛ ونزلَ من كُرْسيِّ وَعْظِهِ،
فادَّعى كلُّ فريق أن الجواب له، وعدَّ أهلُ الفضلِ ذلكَ من بَديعِ الأجوبةِ، ومن أحسنِ المَقَاصدِ.
ومثله قولُ الشاعر في عَمْرٍو الأعورِ: [من مجزوء الرمل]
خَاطَ لِيْ عَمْرٌو قَبَاءْ ... لَيْتَ عَيْنَيهِ سَوَاءْ
وَحَدُّهُ: الكلامُ الذي لا يَسْتَقِلُّ بنفسِه في الكَشْفِ عن المُرادِ، وإنما يكشفُهُ ويُبَيِّنُهُ غيرُهُ.
وهوَ - أيضاً -: اسمٌ لأشياءَ مجتمعةِ الأُصولِ، مُتَّسِعَةِ الفُروعِ، وذلك على وجوه:
أحدها: أن تُحذفَ القِصَّة أو بعضُها، معَ الإشارة إليها، فيتوقفُ فَهْمُ الكلامِ على معرفةِ القِصَّةِ، وذلك كثيرٌ في الكتابِ والسنَّةِ، وبيان هذا المُشْكِلِ يكونُ بذكرِ القِصَّةِ واستيفائِها.
ثانيها: أن يذكرَ المتكلمُ شيئاً مَجْهولاً عندَ السامع لا يعرفُ كيفيتَهُ ومَعْناه.
وذلك كالصلاةِ والزكاةِ عندَ العربِ في قوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [البقرة: 43] .
فإنها كانت تَجْهل كيفيةَ الصلاةِ ومعناها في الشرع، فهذا مِمَّا أحكمَ اللهُ - تعالى - فرضَه، وجعلَ بيانَه إلى نبيِّهِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللهُ عليهِ وآلهِ وسَلَّم - ، فلا يُعْرَفُ بيانُه إلَّا من جِهَتِهِ - صَلَّى اللهُ عليه وآلِهِ وسَلَّم.
ثالثها: أن يعلَّقَ الحُكْمُ على الأسماءِ، التي لا تُعْرَفُ حقيقةُ معناها إلا بضربٍ من الاحتمالِ والتَّقريبِ؛ كالحِينْ، والزَّمانِ، والدَّهْر، والغِنى، والفَقْر، والمَسْكَنَةِ.