ويليهِ في البَيانِ: ترتيبُ الهَدْي على التَّمَتُّعِ، والصِّيامِ على فقْدانِ الهَدْي؛ فإنَّ ترتيبَ الجَزاءِ على الشرطِ بَيِّنٌ في لسانِ العربِ، وإنْ تخلَّف في بعضِ الأحوالِ؛ كما في قوله تعالى: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ} [البقرة: 230] وتراجُعُهُما جائزٌ وإنْ ظَنَّا أَلَّا يُقيما حدودَ اللهِ، ولكنَّ الشرطَ خرجَ على غالبِ الوُجودِ؛ فإنَّ المتفارِقَيْنِ لِعِلَّةٍ لا يَجْتمعان معَ وُجودها غالباً.
ويليهِ في البيَان: تخصيصُ هذا الحُكْمِ المذكور لغيرِ الحاضري المسجد الحرام؛ فإنه بيِّنٌ في لسانِ العربِ أن الأَلِفَ واللامَ يَقْتَضيان التَّخصيصَ، وبَيِّنٌ عندهم أنَّ ذلك إشارةٌ إلى الحكم المرتَّب على قوله: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ} [البقرة: 196] من وجوب الهَدْيِ، والصِّيامِ عندَ العَجْزِ.
ويليهِ في البيانِ: التَّعْميمُ في كُلِّ مَنْ تَمَتَّعَ بالعُمْرة؛ فإنهَ بَيِّنٌ في لِسانِ العربِ أَنَّ"مَنْ"تَصْلُحُ للعُمومِ والاسْتِغراقِ، ولولا صَلاحِيَةُ استغراقه، لَما
حَسُنَ تخصيصُه بغير الحاضري المَسْجِدِ الحَرامِ، وهذا منَ العامِّ الذي أريدَ بهِ الخاصُّ، ومِنَ الصّنفِ الذي يُبَيِّنُ آخرُه أوَلَهُ.
ويليه في البيانِ: تخصيصُ ثلاثةِ أيامٍ بالحجِّ؛ لقوله تعالى: {فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ} [البقرة: 196] فهذا بَيِّنٌ ظاهِرٌ في لِسانهم، وإنْ كانَ فيه شيءٌ من لَطيف الاسْتِعارة، وعلى ذلك أكثرُ كلامِ العربِ، وقد قال بهِ الشافعيُّ - رحمهُ اللهُ تَعالى - ولم يُجَوِّزِ الصِّيام إلَّا بعدَ الإِحْرام بالحجِّ، وحَمَلَهُ أبو حَنيفةَ - رحمهُ اللهُ تَعالى - على أشهرِ الحَجِّ، وجوّزَ الصيامَ قبلَ الإحرامِ بالحجِّ، وكذلك في قوله - تعالى -: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} [البقرة: 197] .
وقولُ الشافعيِّ - رحمهُ اللهُ تَعالى - أَبْيَنُ وأَقْرَبُ إلى مُقْتَضى حقيقةِ اللُّغة.
وقولُ أبي حنيفةَ مُحْتَملٌ، ولكنهُ خِلاف البيِّنِ، وأبعدُ منَ الحقيقةِ؛ لما فيه منَ الحَذْفِ والإضْمَارِ.
وفي الآية مباحثُ أُخَرُ، وسأعيدُ الكلام عليها حينَ أتكلمُ على الأحكامِ - إن شاء الله تعالى - وبهِ العَوْنُ والعِصْمَةُ.
فصل (المُشْكِلُ)