بيد أن الإلهام طبقة فوق العقل ، ولهذا كان فوق الإرادة أيضاً ، وهو محدود فِي الإنسان والحيوان جميعاً ؛ أما هذا (أي الحيوان) فلا يتصرف فيه ولكن يتصرف به ، وبذا لا يكون أبداً إلا كما هو ، ولا يعطي الإرادة المطلقة لأنها دون الإلهام .
وأما ذلك (أي الإنسان) فلا يُلقاه إلا فِي أحوال شاذة من أحوال النفس ، وبذا لا يكون أبداً غيرَ من هو ، ولا يُسلَب الإرادة لأن الإلهام
فوقها .
ولو استطاع الناس يوماً أن يتصرفوا بالإلهام كما يتصرفون بالعقل ، على أن يكون لهم الاثنان جميعاً ، فيذهب كلاهما فِي مذهبه ، ويتيسرون للأداة التي تخطئ وتصيب ، والأداة التي تصيب ولا تخطئ - لتفاوتَ الأمر تفاوتاً قبيحاً ، ولما بقي فِي الأرض إنسان يسمى إنساناً ، ولكن الله تعالىِ
يقلب أفئدتهم ، وأبصارهم ، فهذه للعقل ، وتلك للإلهام ، وكل يغني شأنه (فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ(74) .
وعلى هذا الوجه الذي بسطناه من أمر الإلهام والتحديث يكون وحي السياسة المنطقية التي
أومأنا إليها وهي فِي لغة كل أمة أبلغ البلاغة ، غير أنها فِي القرآن الكريم مما يُعجز الطوقَ ، ولا تحتمله قوة النبوغ الإنساني ، فقد أحكمت فِي آياته إحكاماً أظهرها مخلوقة خلقاً إلهياً ، ولا مصنوعة صنعة إنسانية ، وجعل كل آية منها كأنها فِي الكلام نفسٌ كلامية .
ولا نظن بتة أن عربياً يطمع فِي مثل ما جاء به أو يطوعه له الوهم ، مهما بلغ من سقو فطرته ورقة حسه ، ومن بصره بطرق الوضع التركيبي .
ونفاذه فِي أسرار البيان وتقليب أوضاع اللغة ، فإن
الشأن ليس فِي هذه اللغة ومتعلقاتها بمقدار ما هو فِي التوفيق بين أجزاء الشعور وأجزاء العقل على أتمها فِي الجهتين ، وهذا باب لا ينفذ فيه إلا من كان شعوره وعقله وبيانه فوق الفكرة فِي أكمل ما
يتهيأ لها من كمال الحقيقة الإنسانية التي تجمع