الناس كلهم علم واحد فِي أن هؤلاء العرب جميعاً يفهمون الشعر ، ولكنا لم نجدهم كلهم شعراء ، ورأينا الشعراء منهم متفاوتين وعرفنا التفاوتَ بينهم واضحاً ، حتى لينفرد الواحدُ من الجميع فِي فن من أغراض الشعر ، ثم لا يبينه منهم إلا بلاغة التراكيب ؛ ومبلغُ قوته فِي سياستي البيان والمنطق ، وما قلناه فِي الشعراء فهو فِي صدقه على الخطباء هو بعينه ، والخطابةُ أمسُّ بما
نحن فيه وأدنى إلى القصد منه ، لا يقطعها من دونه ما عسى أن تنقطع عنده الحجة فِي الشعر ، وإن كان الباب واحداً .
وأنت إذا اعتبرت القرآن على تلك الوجوه التي فصلناها ، رأيته أعلى من البلاغة التي وضعت لها تلك الفنونُ ، فإن هذه من بيان اللسان الذي لا يرتفع عن طبقة اللغة ولا يخرج من وجوه العادة فِي تصريفها ، وسنن أهلها فِي إبراز معانيها ، وهذا أمر يقع فيه التفاوت ، ويخرج بعضه إلى
الإحكام وبعضه إلى التسامح وبعضه أمرَ بين ذلك ؛ لأن حالات المعاني مختلفة مع النفس فبعضها
ما ينقاد ، وبعضها مما يستكرَه ؛ ثم النفوسُ مختلفة على حسب ذلك جماماً ونشاطاً أو ضعفاً وتخاذلاً ، ومهما يكن فِي آثارها من بلاغة المعاني وإحكامها ورونق العبارة ونظامها ، فإن نفساً أنفذ من نفس ، وحساً أدق من حس ، وقوة أبلغ من قوة ، وإحاطة أوسعُ من إحاطة .
ومن ههنا نجد العبارة البليغة الواحدة كثيراً ما تقع المواقعَ المختلفة على طبقات متعددة فِي أهل النظر حين يتأملونها ويصفونها ، فإن بقيت على بلاغتها مع جميعهم لم يردَّها أحد ولا أنكرها ، فلا بد من اختلاف هذه البلاغة حينثذ حتى تكون عند أقواهم كأنها ما هي عند أضعفهم ،
وحتى يخيل إلى الضعيف أن القوفي إنما يتعت فِي حكمه ويذهب بنفسه مذهب قوته ، ويخيل إلى هذا القوي أن الضعيف لا يمحض نفسه ولا يستقصي فِي نظره ولا يقول بعلم ؛ ولكل وجهة هو موليها ،
وإنما اختلافُ بينهم من حيث اختلفت القوى .
(فصل)