اعلم أن الخبر والإنشاء متضادان، لأن الخبر ما كان محتملا للصدق والكذب، والإنشاء ما ليس يحتمل صدقا ولا كذبا، فلا يجوز في صيغة واحدة أن تكون حاملة إنشاء وخبرا، لما ذكرناه من التناقض بينهما، نعم قد ترد صيغة الخبر والمقصود بها الإنشاء، إما لطلب الفعل، وإما لإظهار الحرص على وقوعه، وهذا كقوله تعالى: (وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ)
ونحو قوله تعالى: (وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً) [سورة آل عمران: 97] فليس واردا على جهة الإخبار فيهما جميعا، لأنه يلزم منه الكذب، وهو محال في كلامه تعالى، لأن كثيرا من الوالدات لا ترضع الحولين، بل تزيد وتنقص، وهكذا قد يدخل البيت من هو خائف، فلهذا وجب تأويله على جهة الإنشاء، والمعنى فيه، لترضع الوالدات أولادهن حولين على جهة الندب والإرشاد إلى المصالح، وهكذا قوله: (وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً)
معناه ليأمن من دخله، ومخالفة الأوامر لا فساد فيها، ولا يلزم عليه محال، بخلاف الأخبار فإنه يلزم من مخالفتها الكذب، ولا يرد الإنشاء، ويكون في معنى الخبر إلا على جهة الندرة.
(فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا(264)
التلاشي في البطلان، كما قال الله تعالى: (فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا)
ضربه الله تعالى مثلا لبطلان أعمال الكفرة وأنه لا فائدة فيما عملوه ولا جدوى له، بالتراب الدقيق الواقع على حجر صلد أملس، فيصيبه المطر، فإنه أسرع شيء في الذهاب، وأبطل ما يكون عند وقوع الماء عليه، فهكذا حال الكفر، فإنه إذا صادف الأعمال من غير قرار على الإيمان، فإنه يبطلها ويذهبها لا محالة.
(إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا(275)
ومن الأمثلة ما حكاه الله تعالى عن مستحلى الربا حيث قالوا: (إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا) وكان القياس في قولهم:
إنما الربا مثل البيع، في تحليله إغراقا منهم في المبالغة، وذهابا إلى أن الربا في باب الحل أدخل من البيع وأقوى حالا، وهذا من أنواع التشبيه يلقب بالمعكوس، ولهذا يقال: صبح كغرة الفرس، ويقال في عكسه أيضا غرة كالصبح، وسيأتي تقريره بمعونة الله تعالى.
(لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ(286)