(إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ(164)
فلينظر الناظر، وليحكّ قريحته بالتأمل البالغ فيما اشتملت عليه هذه الآية الباهرة من شرح عجائب هذه المخلوقات، واختلاف أنواع المكونات، وترتيبها على هذه الهيئة التي تعجز عن إدراكها القوى البشرية، فقد نزلها على مراتب ثلاث.
المرتبة الأولى الإشارة إلى المكونات السماوية وما اشتملت عليه من عجائب الملكوت وإتقان الصنعة، وبديع الحكمة في تكوينها ورفعها، وما فيها من المخلوقات العظيمة في أطباقها من أصناف الملائكة وحشوها بهم في أرجائها، مع ما اختصوا به من عظم الخلق ونيل الزلفى والقرب إلى الله تعالى، وأنه لا خلق أعظم ولا أرفع منزلة عند الله تعالى منهم، لما خصهم به من امتثال أمره والاعتراف بعظمته.
المرتبة الثانية الإشارة إلى المكونات الأرضية وما اشتملت عليه من الاختصاص بمنافع الخلق من من نزول الأمطار لإحياء الأرض ونمو الثمار والزروع وتصريف الرياح في مهابّها للمصالح الأرضية كلها، واختلاف الليل والنهار وما ناط بالسماء من هذه الكواكب النيرة، الشمس والقمر والنجوم، وجعلها إعلاما للخلق، واهتداء إلى مصالحهم، وما بث فيها من الحيوانات العظيمة على اختلاف أجناسها وأنواعها، فقد أشار إلى ما ذكرناه من هذه التفاصيل في هذه الآية على أتم نظام وأعجب سياق، ولو آثر الإيجاز على ذلك لقال تعالى: إنّ في خلق المكونات لآيات للعقلاء.
(إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ(173)