الطريق الثالث هو أنه بالغ في ما نفي بـ «لن» بأن أكّده بقوله «أبدا» وفي هذا أعظم دلالة على أن وضعها للمبالغة في النفي، فهذه الطرق الثلاث كلها مقررة لما ذكره الشيخ من أن «لن» لتأكيد ما تعطيه «لا» من نفي المستقبل، فأما ابن الخطيب أبو المكارم صاحب التبيان فقد يتلكأ في قبول ما ذكرناه، وزعم أن الأمر على العكس مما أوردناه، وأن النفي بـ «لا» آكد من النفي بـ «لن» وقال: إن الزمخشري إنما ذهب إلى هذه المقالة بناء على مذهبه في الاعتزال، من نفي الرؤية واستحالتها على الله تعالى، وهذا خطأ منه، فإنا قد دللنا على كون «لن» دالة على مبالغة النفي بها في الأزمنة المستقبلة، ومن العجب أنه قال: إنما صار الزمخشري إلى ما حكيناه عنه لأجل الاعتزال، فليس الأمر كما زعمه، وإنما صار إليه للدليل الواضح من جهة نص الأدباء واستعمال أهل اللغة على ذلك، ومما يؤيد ما ذكرناه ويوضحه هو أن الله تعالى لما نفي بـ «لا» إدراك الأبصار عن ذاته بقوله تعالى: (لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ) [سورة الأنعام: 103] أي المبصرون بالأبصار على جهة العموم والاستغراق في الأزمنة المستقبلة من غير مبالغة هناك وقال ردا لسؤال موسى حيث قال (رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي) [سورة الأعراف: 143] «فجاء بهذه اللفظة قطعا لطمع الرؤية وإحالة لها بكونه أجابه بما يفيد الاستغراق والتأبيد، واستقصاء الكلام في استحالة الرؤية من الأدلة النقلية يليق بالعلوم الدينية وقد أشرنا إليها في كتاب «النهاية» وبالله التوفيق.
(وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ(96)
(وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ) [سورة البقرة: 179] وقوله تعالى: (وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ)