التفسير الثالث أن يراد بالصرفة أن الله تعالى منعهم بالإلجاء على جهة القسر عن المعارضة، مع كونهم قادرين وسلب قواهم عن ذلك، فلأجل هذا لم تحصل من جهتهم المعارضة، وحاصل الأمر في هذه المقالة: أنهم قادرون على إيجاد المعارضة للقرآن، إلا أن الله تعالى منعهم بما ذكرناه، والذي غر هؤلاء حتى زعموا هذه المقالة، ما يرون من الكلمات الرشيقة، والبلاغات الحسنة، والفصاحات المستحسنة، الجامعة لكل الأساليب البلاغية في كلام العرب الموافقة لما في القرآن، فزعم هؤلاء أن كل من قدر على ما ذكرناه من تلك الأساليب البديعة، لا يقصر عن معارضته، خلا ما عرض من منع الله إياهم بما ذكرناه من الموانع، والذي يدل على بطلان هذه المقالة براهين.
البرهان الأول منها: أنه لو كان الأمر كما زعموه، من أنهم صرفوا عن المعارضة مع تمكنهم منها، لوجب أن يعلموا ذلك من أنفسهم بالضرورة، وأن يميزوا بين أوقات
المنع، والتخلية، ولو علموا ذلك لوجب أن يتذاكروا في أي حال هذا المعجز على جهة التعجب، ولو تذاكروه لظهر وانتشر على حد التواتر، فلما لم يكن ذلك دل على بطلان مذاهبهم في الصرفة لا يقال: إنه لا نزاع في أن العرب كانوا عالمين بتعذر المعارضة عليهم، وأن ذلك خارج عن العادة المألوفة لهم، ولكنا نقول من أين يلزم أنه يجب أن يتذاكروا ذلك ويظهروه، حتى يبلغ حد التواتر، بل الواجب خلاف ذلك، لأنا نعلم حرص القوم على إبطال دعواه، وعلى تزييف ما جاء به من الأدلة، فاعترافهم بهذا العجز من أبلغ الأشياء في تقرير حجته، فكيف يمكن أن يقال بأن الحريص على إخفاء حجة خصمه يجب عليه الاعتراف بأبلغ الأشياء في تقرير حجته، وهو إظهاره وإشهاره، لأنا نقول هذا فاسد، فإن المشهور فيما بين العوام فضلا عن دهاة العرب، أن بعض من تعذر عليه بعض ما كان مقدورا له، فإنه لا يتمالك في إظهار هذه الأعجوبة والتحدث بها، ولا يخفى دون هذه القضية، فضلا عنها، فكان من حقهم أن يقولوا: إن كل واحد منا يقدر على هذه الفصاحة، ولكن صار ذلك الآن متعذرا علينا، لأنك سحرته عن الإتيان بمثله، فلما لم يقولوا ذلك، دل على فسادها.