قوله تعالى: (جَعَلَهُ دَكًّا) . يقرأ بالقصر والتنوين، وبالمدّ وترك التنوين، هاهنا وفي الكهف). فالحجة لمن قصر ونوّن: أنه جعله مصدرا كقوله: (إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا) . وهذا اللفظ لا يثنى ولا يجمع، لأنه مصدر والمصدر اسم للفعل. فلما كان الفعل لا يثنّى ولا يجمع كان الأصل بتلك المثابة. والحجة لمن مدّ ولم ينوّن: أنه صفة قامت مقام الموصوف. وأصله: أرضا ملساء من قول العرب: ناقة دكّاء أي: لا سنام لها.
فهذا يثني ويجمع ولم ينوّن، لأنه وزن لا ينصرف في معرفة ولا نكرة، لاجتماع علامة التأنيث، والوصف فيه.
فإن قيل فقوله: (دُكَّتِ الْأَرْضُ خرّج لفظ المصدر فيه على فعله، وليس هاهنا لفظ لفعل يخرّج المصدر عليه، فقل إنّ المصدر هاهنا يخرّج على المعنى، لا على اللفظ، لأنه يريد بقوله تعالى: (جعله: دكّه، وذلك معروف عند العرب. قال ذو الرّمّة:
والودق يستنّ عن أعلى طريقته ... جول الجمان جرى في سلكه الثّقب
فنصب جول الجمان، لأنه أراد بقوله يستن: يجول قوله تعالى: (بِرِسالاتِي) . يقرأ بالتوحيد والجمع. فالحجة لمن وحّد: أن الله تعالى إنما أرسله مرة واحدة بكلام
كثير. والحجة لمن جمع: أنه طابق بين اللفظين لتكون
رسالاتي مطابقة لكلامي. وإن أراد بالجمع معنى الواحد كما قال يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ يريد نبينا عليه السلام.
قوله تعالى: (وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ) . يقرأ بضم الراء وإسكان الشين، وبفتحهما.
فالحجة لمن ضمّ: أنه أراد به: الهدى التي هي ضدّ الضلال. ودليله قوله تعالى: (قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ والغيّ هاهنا: الضلال. والحجة لمن فتح: أنه أراد به الصلاح في الدين. ودليله قوله تعالى: (وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَداً أي صلاحا. وقيل: هما لغتان كقولهم: السّقم والسّقم.
قوله تعالى: (مِنْ حُلِيِّهِمْ) . يقرأ بضم الحاء وكسرها، وهما جمع (حلي) . فالحجة لمن ضم: أنه أتى به على أصل ما يجب لجمع (فعل) وأصله: (حلوي) كما قالوا (فلوس) فلما تقدّمت الواو بالسكون قلبوها إلى الياء، وأدغموها للمماثلة فتشديد الياء لذلك.
والحجة لمن كسر: أنه استثقل الخروج من ضمّ إلى كسر، فكسر الحاء ليقرب بها بعض اللفظ من بعض طلبا للتخفيف.