{بَازِغَةً} ؛ أي: طالعة من وراء الأفق {قَالَ} إبراهيم مشيرًا إليها {هَذَا} الطالع، أو هذا الذي أرى الآن هو {رَبِّي} ؛ أي: معبودي، وإنما قال هذا ولم يقل هذه مع كون الشمس مؤنثة، قيل: نظرًا لكونها بمعنى: الطالع كما أشرنا إليه في الحل، أو نظرًا لكون الخبر مذكرًا، أو لأن تأنيثها غير حقيقي.
{أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ ... (122) }
وإنما قال: {فِي النَّاسِ} إشارة إلى تنويره على نفسه وعلى غيره من الناس، فذكر أن منفعة المؤمن ليست قاصرة على نفسه، وهذا مثل ضربه الله تعالى لحال المؤمن والكافر، فبين أن المؤمن المهتدي بمنزلة من كان ميتا فأحياه وأعطاه نورا يهتدي به في مصالحه، وأن الكافر بمنزلة من هو في الظلمات منغمس فيها ليس بخارج منها، فيكون متحيرا على الدوام.
{وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ... (151) }
وجاء في سورة الإسراء: {وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ} .
وسر اختلاف الأسلوبين، وتقديم رزق الأولاد هناك على رزق الوالدين على عكس ما هنا: أن ما هناك متعلق بالفقر المتوقع في المستقبل الذي يكون فيه الأولاد كبارا كاسبين، وقد يصير الوالدون في حاجة إليهم لعجزهم عن الكسب بالكبر، ففرق في تعليل النهي في الآيتين بين الفقر الواقع، والفقر المتوقع، فقدم في كل منهما ضمان رزق الكاسب للإيماء إلى أنه تعالى جعل كسب العباد سببا للرزق، لا كما يتوهم بعضهم، فيزهد في العمل بشبهة كفالته تعالى لزرقهم. وقيل اختلاف أسلوب الآيتين للتفنن، وعبارة الصاوي هنا: وإنما قال هنا: {إِمْلاقٍ} وقال في الإسراء: {خَشْيَةَ إِمْلاقٍ} ؛ لأن ما هنا في الفقر الحاصل بالفعل، وما في الإسراء في الفقر المتوقع، فهو خطاب للأغنياء، وقدم هنا خطاب الآباء، وهناك ضمير الأولاد، فقيل: تفننا، وقيل: قدم هنا خطاب الآباء تعجيلا لبشارة الآباء الفقراء بأنهم في ضمان الله، وقدم هناك ضمير الأولاد لتطمئن الآباء بضمان رزق الأولاد، فهذه الآية تفيد النهي للآباء عن قتل الأولاد، وإن كانوا متلبسين بالفقر، والأخرى النهي عن قتلهم وإن كانوا موسرين، ولكن يخافون وقوع الفقر، انتهى. انتهى {حدائق الروح والريحان، لمحمد الأمين الهرري} ...