قال: وهو وجه الكلام إذا جعل الفعل لـ (بَيْنَ) تُرِك نَصبا ، كما قالوا: أتانِي دُونَك من الرجال . فتُرِك نَصبًا ، وهو فِي موضع رفع ؛ لأنه صفة ، فإذا
قالوا: هذا دونٌ من الرجال ، رفعوه ، وهو في موضع الرفع ، وكذلك يقول: بينَ الرجلين بينَ بعيد ، وبونَ بعيد ، إذا أفردته أجريته بالعربية .
وقوله جلَّ وعزَّ: (وَجَاعِلُ اللَّيْلِ سَكَنًا ...(96) .
قرأ الكوفيون: (وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا) نصبا ،
وقرأ الباقون: (وَجَاعِلُ اللَّيْلِ سَكَنًا) بالخفض .
قال أبو منصور: مَنْ قَرَأَ (وَجَعَلَ اللَّيْلَ) نصبه بالفعل ؛ لأنه مفعول
به ، ونصب (سَكَنًا) لأنه مفعول ثان .
ومن قرأ (وَجَاعِلُ اللَّيْلِ) خفض الليل للإضافة إليه .
وأما انتصاب قوله: (والشمسَ والقمرَ حُسبانًا) على قراءة من قرأ
(وجاعلُ الليلِ) فإنه عطف الشمسَ والقمرَ على موضع النصب في قوله
(وجاعلُ الليلِ) لأن معناهُ: وجاعلَ الليلَ ، وكذلك نصب (سكَنًا) .
وقال الفراء: (الليل) في موضع فصبٍ في المعنى ، فرَد الشمس والقمر على
معناه لما فرق بينهما بقوله: (سَكَنًا) قال: وإذا لم يُفرق بينهما بشيء
آثروا الخفض ، وقد يجوز النصب وإن لم يُحلْ بينهما بشيء
أنشدونا:
وبَينَا نَحْنُ نَئظرُهُ أتَانَا ... معلق شَكوَةً وزِنادَ راعٍ
فعطف (زناد) على (شكوة) ؛ لأن معناها النصب ، كأنه قال: معلقًا
شكوةً .
وقوله جلَّ وعزَّ: (فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ ...(98) .
قرأ ابن كثير وأبو عمرو (فَمُسْتَقِرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ) بكسر القاف
وقرأ الباقون بفتحها .
قال أبو منصور: مَنْ قَرَأَ (فَمُسْتَقَرٌّ) بفتح القاف عنى به: الرَحم ،
وهو موضع استقرار الولد ، فيه ما يولد ، وقوله (ومستودعَ) : صلب
الرجل ، مستودع للمني الذي خُلِقَ الولدُ منه .
وَمَنْ قَرَأَ (فَمُسْتَقِرٌّ) بكسر القاف عنى به: الولد القار فِي
الرحم إلى وقت الولد .