(3) هداية العقل، وهي هداية أعلى من هداية الحس والإلهام، فالإنسان قد خلق ليعيش مجتمعا مع غيره، وحواسّه وإلهامه لا يكفيان لهذه الحياة، فلا بد له من العقل الذي يصحح له أغلاط الحواس، ألا ترى الصفراوي يذوق الحلو مرّا، والرائي يبصر العود المستقيم فِي الماء معوجّا.
(4) هداية الأديان والشرائع، وهي هداية لا بد منها لمن استرقّت الأهواء عقله، وسخّر نفسه للذاته وشهواته، وسلك مسالك الشرور والآثام، وعدا على بنى جنسه، وحدث بينه وبينهم التجاذب والتدافع - فبها يحصل الرشاد إذا غلبت الأهواء العقول، وتتبين للناس الحدود والشرائع، ليقفوا عندها ويكفّوا أيديهم عما وراءها - إلى أن فِي غرائز الإنسان الشعور - بسلطان غيبى متسلّط على الأكوان، إليه ينسب كل ما لا يعرف له سببا، وبأن له حياة وراء هذه الحياة المحدودة، وهو بعقله لا يدرك ما يجب لصاحب هذا السلطان، ولا يصل فكره إلى ما فيه سعادته فِي هذه الحياة فاحتاج إلى هداية الدين التي تفضل اللّه بها عليه ووهبه إياها.
وإلى تلك الهدايات أشار الكتاب الكريم فِي آيات كثيرات كقوله: (وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ) أي طريقي الخير والشر والسعادة والشقاء. وقوله: (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى)
أي أرشدناهم إلى طريق الخير والشر فاختاروا الثاني الذي عبر عنه بالعمى.
وهناك نوع آخر من الهداية وهو المعونة والتوفيق للسير فِي طريق الخير، وهي التي أمرنا اللّه بطلبها فِي قوله: (اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ) إذ المراد - دلّنا دلالة تصحبها من لدنك معونة غيبية تحفظنا بها من الوقوع فِي الخطأ والضلال.