وليس كل ما نسب إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يقبل بلا ضابط أو نقاش، فلا بد من الترابط العلمي المتصل بين رواة السند؛ بحيث يتلقى الراوي اللاحق عن السابق؛ فلا يكون بين اثنين من رواة الحديث فجوة زمنية أو مسافة مكانية يتعذر معها اللقاء أو يستحيل معها التلقي والأداء، كما يلزم أيضا اتصاف الرواة بالعدالة، وهى صفة خلقية تكتسبها النفس الإنسانية وتحمل صاحبها على ملازمة التقوى والمروءة ومجانبة الفسوق والابتداع فلا يعرف بارتكاب كبيرة أو إصرار على صغيرة، ولا بد أن يتصف الراوي أيضا بالضبط والتثبت من الحفظ والسلامة من الخطأ وانعدام الوهم مع القدرة على استحضار ما حفظه وهذا شرط في جميع رواة الحديث الصحيح من أول السند إلى آخر راوٍ فيه، يضاف إلى ذلك عدم مخالفة الراوي لمن هو أوثق منه وأثبت، ولا يكون في روايته أيضا علة قادحة أو سبب ظاهر يؤدي إلى الحكم بعدم ثبوت الحديث، فالطريق الوحيد المعتمد في ثبوت السنة هو الالتزام بقواعد المحدثين وأصولهم في معرفتها (1) .
أما الحكم على ثبوت الحديث بالأصول الكلامية أو المناهج الفلسفية أو الكشوفات الذوقية فلا مجال له في بحثنا؛ لأن الآراء العقلية كثيرة ومتضاربة والمواجيد الذوقية مختلفة ومتغيرة، فالحكم على حديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - في هذه الحالة يحكمه الهوى ويسوقه استحسان النفس .
ومن ثم لا عبرة بقول من قال من أصحاب الطرق: ( ربما صح عندنا من أحاديث الأحكام ما اتفق المحدثون على ضعفه وتجريح نقلته، وقد أخذناه بالكشف عن قائله صحيحا فنتعبد به أنفسنا على غير ما تقرر عند علماء الأصول، ورب حديث قد صححوه واتفقوا عليه وليس بصحيح عندنا بطريقة الكشف فنترك العمل به ) (2) .
(1) المرجع السابق ص 33 وما بعدها، وانظر أيضا صحيح مسلم بشرح النووي 1/27، وتدريب الراوي للسيوطي 1/63 بتصرف .
(2) رسائل ابن عربي ص4، دار إحياء التراث العربي، حيدر آباد، الهند، 1948م .