وإذا كانت بصيرة العبد منفتحة في معرفة الأَسماءِ والصفات والأفعال فإن شهودها الخاص يطابق ما جاءَ به الرسول - صلى الله عليه وسلم - ولا يخالفه، إذ أن المنهج الرباني هو في حقيقته توجيه من الله للعبد فيما ابتلاه وخوله واسترعاه، والعبد أمين مخول مستخلف مبتلى ليس له في ملك سيده إلا الطاعة والخضوع والانقياد لما شرعه سيده من الأحكام .
فمن شأن الموحدين أَن تنسلخ نفوسهم من التدبير والاختيار الذي يخالف تدبير ربهم واختياره، بل قد سلموا إليه سبحانه التدبير كله، فلا يزاحم تدبيرهم تدبيره ولا اختيارهم اختياره، لتيقنهم أَنه الملك القاهر القابض على نواصي الخلق المتولي لتدبير الملك، وتيقنهم مع ذلك أَنه سبحانه الحكيم في أَفعاله، الذي لا تخرج أَفعاله عن الحكمة والمصلحة والرحمة، فلم يدخلوا أَنفسهم معه في تدبيره لملكه وتصريفه أُمور عباده بلو كان كذا وكذا لكان كذا وكذا، ولا بليت ولعل وعسى، بل ربهم - عز وجل - أَجل وأَعظم في قلوبهم من أَن يعترضوا عليه، أو يتسخطوا تدبيره أو يتمنوا سواه .
وهم أَعلم بالله وأعرف بأسمائه وصفاته من أَن يتهموه في تدبيره أَو يظنوا به الإخلال بمقتضى حكمته وعدله، بل الموحد ناظر بعين قلبه إلى باري الأَشياء وفاطرها، ناظر إلى إتقان صنعته مشاهد للحكيم في حكمته، لا يعيب إلا ما عابه الله، ولا يذم إلا ما ذمه، وإذا سبق إلى قلبه ولسانه عيب ما لم يعبه الله وذم ما لم يذمه الله تاب إلى الله منه، روى البخاري من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أنه قال: ( مَا عَابَ النَّبِيُ - صلى الله عليه وسلم - طَعَامًا قَطُّ، إِنِ اشْتَهَاهُ أَكَلَهُ وَإِلاَّ تَرَكَهُ ) (1) .
(1) البخاري في المناقب، باب صفة النبي صلى الله عليه وسلم 3/1306 (3370) .