وكذلك يفهم العبد كيف اقتضت أسماؤه وصفاته لوجود النبوة والشرائع، وأن لا يترك خلقه سدى؟ وكيف اقتضت ما تضمنته من الأوامر والنواهي؟ وكيف اقتضت وقوع الثواب والعقاب والمعاد؟ وأن ذلك من موجبات أسمائه وصفاته بحيث ينزه عما زعم أعداؤه من إنكار ذلك، ويرى شمول القدرة وإحاطتها بجميع الكائنات حتى لا يشذ عنها مثقال ذرة، ويرى أنه لو كان معه إله آخر لفسد هذا العالم، وأنه سبحانه لو جاز عليه النوم أو الموت لتدكدك هذا العالم بأسره ولم يثبت طرفة عين، ويرى ذلك الإسلام والإيمان اللذين تعبد الله بهما جميع عباده كيف انبعاثهما من الصفات المقدسة؟ (1) .
ولما أدرك الموحدون هذه الحكم والغايات سعوا في تحقيق مقتضى الأسماء والصفات فجعلوا حياتهم لله، وعقدوا قلوبهم على ترك مخالفته ومعاصيه؛ فهممهم مصروفة إلى القيام بما يحب ويرضى من الأقوال والأفعال، يقصدون من العبادة أكملها ومن الأوقات أولها، امتلأت قلوبهم من معرفة الله - عز وجل - وغُمرت بمحبته وخشيته وإجلاله ومراقبته فسرت المحبة في أجزائهم فلم يبق فيها عرق ولا مفصل إلا وقد دخله الحب، قد أنساهم حبه ذكر غيره؛ فامتلئوا بحبه عن حب من سواه، وبذكره عن ذكر من سواه، وبخوفه ورجائه والرغبة إليه والرهبة منه والتوكل عليه والإنابة إليه والسكون إليه والتذلل والانكسار بين يديه عن تعلق ذلك منهم بغيره، فإذا صارت للموحد أسماء ربه وصفاته مشهدًا لقلبه أنسته ذكر غيره، وشغلته عن حب من سواه؛ فحينئذ يكون الرب سبحانه سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشى بها، فبه يسمع وبه يبصر وبه يبطش وبه يمشى، فيبقى قلب العبد نورا لمعرفة محبوبه ومحبته وعظمته وجلاله وكبريائه، وناهيك بقلب هذا شأنه، فيا له من قلب موحد خالص تقي نقي، ما أَدناه من ربه وما أحظاه في قربه (2) .
(1) السابق ص167 بتصرف .
(2) طريق الهجرتين ص320 بتصرف .