ولمزيد من البيان يمكن القول إن الحياة الدنيا لما كانت دارا للابتلاء والامتحان ومحلا لاختيار الكفر أو الإيمان، وكان الناس فيها متفاوتين مختلفين آجالا وأرزاقا وألوانا وأخلاقا، منهم الغني والفقير والأعمى البصير، منهم القوي والضعيف والظالم والمظلوم والحاكم والمحكوم والمالك والمعدوم، منهم الكاذب والصادق والمخلص والمنافق إلى غير ذلك من أنواع الأخلاق وتنوع الأرزاق واختلاف السلوك وابتلاء ملك الملوك؛ لما كانت الدنيا كذلك فإن حكمة الله تَظهر في تعريف الخلائق ما يناسبهم من أسمائه وصفاته؛ فالمذنب من العباد إن أراد التوبة سيجد الله توابا رحيما عفوا غفورا، والمظلوم سيجده حقا مبينا حكما عدلا وليا نصيرا، والضعيف المقهور سيجده قويا عزيزا جبارا قديرا، والفقير سيجد الله رزاقا حسيبا مقيتا وكيلا، وهكذا سيجد العباد من أسماء الله وصفاته ما يناسب حاجتهم ويلبي بغيتهم؛ فالفطرة التي فطر الله الخلائق عليها اقتضت أن تلجأ النفوس إلى قوة عليا عند ضعفها، وتطلب غنيا أعلى عند فقرها وتوابا رحيما عند ذنبها، وسميعا قريبا بصيرا مجيبا عند سؤالها، ومن هنا كانت لكل مرحلة من مراحل الخلق التي قدرها الله - عز وجل - ما يناسبها من أسمائه وصفاته وأفعاله .