فهرس الكتاب

الصفحة 168 من 1188

إن الإنسان إذا كان في عشيرته ذليلا فقيرا مهانا ضعيفا واكتسب أوصاف الكمال فأصبح عزيزا غنيا نسيبا قويا؛ فإن الناس لا ينسون أوصاف نقصه وحال ضعفه حتى لو بلغ غاية الكمال في وصفه، بل يتذكرون حال ذله وفقره، ويذكرونه بأيام ضعفه ونقصه، وكل ذلك لأنه اكتسب كمالا لم يكن من قبل، ومن هنا قيل في المثل: كان كراعا فصار ذراعا (1) .

لكن لو انتقل وهو على حال الكمال إلى بلد آخر لا يعرفه الناس فيه؛ فرأوه من بدايته عزيزا غنيا منيعا قويا، فإنهم لا يذكرونه على الدوام إلا بالكمال، ولا يعرفون وصفه إلا مقترنا بالعزة في كل حال فيصفونه بالعزة والغنى والأصالة والقوة .

ذُكر أن أعرابيين صديقين كانا يعشيان فقيرين بالبادية، غير أن أحدهما ذهب إلى المدينة وتقرب من الحجاج بن يوسف الثقفي حتى أمَّره على أصبهان؛ فسمع عنه صديق فقره الذي كان بالبادية؛ فشد إليه الرحال حتى وصل إلى قصره وحاول لقاءه فمنعه الحراس أياما كثيرة حتى أُذِن له بالدخول، فلما رآه أنشده قائلا:

أتذكر إذ قميصك جلد تيس: وإذ نعلاك من جلد البعير

فسبحان الذي أعطاك ملكا: وعلمك الجلوس على السرير (2) .

(1) الكراع هو القزم الصغير، وهذا المثل يضرب للرجل الذليل يصير عزيزا كبيرا، انظر مجمع الأمثال لأبي الفضل أحمد بن محمد الميداني النيسابوري 2/131، وكتاب جمهرة الأمثال لأبي هلال العسكري 2/141.

(2) انظر البيان والتبيين لأبي عثمان عمرو بن بحر ص 582، وكتاب جمهرة الأمثال 2/39 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت