تصديق الخبر وطاعة الأمر وبعيدا عن الفلسفات العقلية والآراء الكلامية ـ هو غاية من جاء بعدهم وسلك دربهم في مختلف العصور، مهما تنوعت كلماته أو بدت اعتقاداته في توحيد الله - عز وجل - .
ونحن لو نظرنا إلى هذا المبدأ بنظرة علمية تحليلية لوجدنا أنه يعبر عن العقيدة الإسلامية الصحيحة بأدق تفاصيلها؛ فالمسلم بقوله: لا إله إلا الله، قد عقد في نفسه عقدا أن يكون الله - عز وجل - هو المعبود الحق الذي يصدق في خبره دون تكذيب ويطاع في أمره دون عصيان، وتلك حقيقة الإيمان التي نزل بها القرآن وفهمها أصحاب اللسان، فمن المعلوم أن الكلام العربي قسمان:
الأول: الخبر، وهو يتطلب من المخاطَب التصديق، وقد عرفه العلماء بأنه ما يصح أن يدخله الصدق أو الكذب، فالخبر هو الدال على أن مدلوله قد وقع قبل صدوره أو سيقع بعد صدوره .
الثاني: الأمر أو الطلب، وهو يتطلب من المخاطَب الاستجابة والتنفيذ، وقد عرفه العلماء بأنه ما لا يحتمل الصدق أو الكذب، فمدلوله الإيجابي يحصل مع آخر حرف منه، وهو التنفيذ والاستجابة على الفور أو التراخي بحسب مراد الآمر الناهي (1) .
قال ابن هشام: ( التحقيق أن الكلام ينقسم إلى خبر وإنشاء فقط، وأن الطلب من أقسام الإنشاء، وأن مدلول قم حاصل عند التلفظ به لا يتأخر عنه، وإنما يتأخر عنه الامتثال، وهو خارج عن مدلول اللفظ ) (2) .
ويذكر البيهقي أن حقيقة الإيمان والتوحيد تكمن في تصديق الخبر وتنفيذ الأمر لأن الخبر هو القول الذي يدخله الصدق والكذب، والأمر والنهي كل واحد منهما قول يتردد بين أن يطاع قائله وبين أن يعصي، فمن سمع خبرا واعتقد أنه حق وصدق فقد آمن به ومن سمع أمرا أو نهيا فاعتقد الطاعة له فكأنما آمن في نفسه به (3) .
(1) انظر شرح السيوطي علي سنن النسائي 2/131، والكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي ص 16.
(2) شرح شذور الذهب في معرفة كلام العرب لابن هشام ص40 .
(3) شعب الإيمان للبيهقي 1/35 .