وما يقال في المكر يقال أيضا في الاستهزاء؛ فالاستهزاء على إطلاق الوصف يكون كمالا في موضع ونقصا في آخر؛ فلا يصح إطلاقه في حق الله دون تقيد كقول القائل الله مستهزئ فهذا باطل، ولكن يصح أن القول بأن الله - عز وجل - يستهزئ بالمنافقين في مقابل استهزائهم بالمؤمنين، فالاستهزاء في موضع النقص هو شأن المنافقين، والاستهزاء في موضع الكمال هو ما ورد في قول رب العزة والجلال: { وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ } [البقرة:14/15] ، وكذلك الخداع والسخرية والكيد، فإن ذلك يكون كمالا في موضع ونقصا في آخر فلا يتصف به إلا في موضع الكمال كما قال تعالى: { إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلا قَلِيلا } [النساء:142] ، وفي السخرية بالمنافقين قال - عز وجل: { الذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } [التوبة:79] ، وقال في الكيد بالكافرين: { إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا وَأَكِيدُ كَيْدًا } [الطارق:15/16] ، وكذلك أيضا ما ورد في السنة عن صفة التردد، روى البخاري من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - مرفوعا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن قول الله - عز وجل: ( وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءتَهُ ) (1) ، فوصف التردد عند الإطلاق
(1) البخاري في الرقاق، باب التواضع 5/2384 (6137) .