فهرس الكتاب

الصفحة 1010 من 1188

وهو أيضا إنما يحسن إليه ليحصل منه ما هو محتاج إليه من الثناء والمدح، فهو محسن إلى نفسه بإحسانه إلى الغير، وإما أن يريد الجزاء من الله تعالى في الآخرة فهو أيضا محسن إلى نفسه بذلك، وإنما أخر جزاءه إلى يوم فقره وفاقته، فهو غير ملوم في هذا القصد، فإنه فقير محتاج وفقره وحاجته أمر لازم له من لوازم ذاته، فكماله أن يحرص على ما ينفعه ولا يعجز عنه، قال تعالى: { إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا } [الإسراء:7] ، فالمخلوق لا يقصد منفعتك بالقصد الأول، بل إنما يقصد انتفاعه بك، والرب سبحانه إنما يريد نفعك لا انتفاعه به، وذلك منفعة محضة لك خالصة من المضرة بخلاف إرادة المخلوق نفعك، فإنه قد يكون فيه مضرة عليك ولو بتحمل منته، وإذا تدبر الموحد هذا فإن ذلك يمنعه أن يرجو مخلوقا أو يعامله دون الله - عز وجل - أو يطلب منه نفعا أو دفعا أو يعلق قلبه به، فإنه إنما يريد انتفاعه بك لا محض نفعك وهذا حال الخلق كلهم بعضهم مع بعض، وهو حال الولد مع والده والزوج مع زوجه والمملوك مع سيده والشريك مع شريكه؛ فالسعيد من عاملهم لله - عز وجل - لا لهم وأحسن إليهم لله، وخاف الله فيهم، ولم يخفهم مع الله، ورجا الله تعالى بالإحسان إليهم، ولم يرجهم مع الله، وأحبهم لحب الله، ولم يحبهم مع الله - عز وجل -، كما قال أولياء الله: { إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا } [الإنسان:9] ، والرب تبارك وتعالى إنما يريدك لك ويريد الإحسان إليك لا لمنفعته، ويريد دفع الضرر عنك فكيف تعلق أملك ورجاءك وخوفك بغيره (1) .

(1) انظر بتصرف إغاثة اللهفان 1/41 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت