وقد سعى أعداء الإسلام منذ سنين عديدة إلى العمل على هدم هذه الفريضة - التي بإقامتها إقامة الدين - فأثاروا حولها الشبهات، فمنها: الطعن في شريعة الجزية، واعتبروها دليلًا على الظلم والقهر والاضطهاد [1] ، وغفلوا أو تغافلوا عن أنَّ الإسلام جعل للكفار من أهل الكتاب وغيرهم، البقاء على دينهم مقابل دفع الجزية، وكلَّفَ المسلمين الدفاع عنهم مع عدم مشاركتهم في القتال، فأي قانون من قوانين البشرية اليوم يكفل أقليَّاته مثل ما فعل الإسلام بأهل الذمة.
ومنها - أيضًا: تشويه الجهاد نفسه حيث قالوا بأن الإسلام انتشر بالسيف والقوة، وإرغام المخالفين على الدخول فيه، وأنَّ الإسلام إنَّما انتشر ذاك الانتشار بسبب القوة والسيف، ولم يكن بقوة الحجة ولا بالكتاب الهادي كما يزعم أهل الإسلام، وقد أشار العلَّامة ابن القيم إلى هذا في مقدمة كتابه الذي ردَّ به على النصارى في مسائل أوردوها على بعض العامة، فقال رحمه الله: «وكان انتهى إلينا مسائل أوردها بعض الكفار الملحدين على بعض المسلمين فلم يصادف عنده ما يشفيه، ولا وقع دواؤه على الداء الذي فيه، وظنَّ المسلم أنَّه بضربه يداويه فسطا به ضربًا، وقال: هذا هو الجواب! فقال الكافر: صدق أصحابنا في قولهم: إنَّ دين الإسلام إنما قام بالسيف لا بالكتاب.
فتفرقا وهذا ضارب وهذا مضروب، وضاعت الحجة بين الطالب والمطلوب» [2] . وفي الوقت الحاضر نجد الكيد أكثر، والهدم والتشويه أكبر أثرًا في أهل الإسلام بسبب التخلف العقدي والإيماني الذي تعيشه الأمة، فقد أصبح هذا الأمر - أعني تشويه الجهاد وهدمه - في وسائل
(1) انظر: «الهجوم على الإسلام في الروايات الأدبية» (ص 22 - 23) أحمد أبو زيد.
(2) «هداية الحيارى» (ص 31) .