تمردوا على النظم السارية والآراء الشائعة. كُلّ الأنبياء والمصلحين كانوا أعداءً لأنفسهم. وقد كان أسهلَ عليهم أن لا يُندِّدُوا ولا يُبشِّرُوا لو أنهم خافوا التحقير والاضطهاد وارتضوا مسايرة الناس .. »، ويختم المقال بقوله: «حرِّر فكرك واتّبعه حينما يذهب بك» [1] .
إنّ هذا الكاتب وقع في أمر عظيم خطير وهو أنه قرن بين الأنبياء والمصلحين، وجعلهم في مرتبة واحدة، وهو يعتبر الدين والعقائد الإسلامية التي تسود بين المسلمين قيودًا يرغب إليهم في حَلِّها والتخلص منها، ثُمَّ هو كذلك يسحب القارئ من حيث يدري أو لا يدري إلى إنكار الوحي، وجعل الأنبياء، كالمفكرين والفلاسفة، فيصبح ما جاء به الرسل والأنبياء من عقائد وشرائع، أمرًا قابلًا للنقد والتعديل، أو التنقيح والتهذيب. وبهذا يمكن هدم عقائد المسلمين بأمثال هذا الكاتب وغيره وهم كُثرٌ في زماننا هذا يحاولون إقناع المسلمين بأن البشرية لم تعد بحاجة إلى وصاية السماء أو هداية الرسالات السماوية فقد بلغت - كما يزعمون - سِنَّ الرشد: {كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا} [الكهف: 5] .
ونجد كاتبًا آخر يسخر من إيمان المسلمين باليوم الآخر وما فيه من أمور كالجنة التي أعدها الله لعباده المؤمنين، وذلك على رؤوس الأشهاد لتحقيق غرضهم المنشود وهو هدم هذه العقائد الراسخة. فيقول: «لو كان جميع الناس يعتقدون كما اعتقدنا أن هذا الفردوس الوحيد يعني به الحياة الدنيا الذي ليس بعده فردوس آخر لَوَجَّهُوا كُلَّ قواهم إلى تحسينه ليصبح فردوسًا حقيقيًا بِكُلِّ معنى الكلمة. أمَّا وهم يؤمنون بوجود فردوس آخر أفضل، وأنَّ الإنسان نزيلٌ فانٍ على هذه الأرض، فهم
(1) «الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر» (2/ 292 - 293) .