«فمعنى الآية - والله أعلم - بما أراد من كلامه، أن هؤلاء المشركين لمّا وقفوا على النار وعاينوها وعلموا أنهم داخلوها، تمنوا أنهم يردون إلى الدنيا فيؤمنون بالله وآياته، ولا يكذبون رسله، فأخبر سبحانه أن الأمر ليس كذلك، وأنهم ليس في طباعهم، وسجاياهم الإيمان، بل سجيتهم الكفر والشرك والتكذيب، وأنهم لو ردوا لكانوا بعد الرد كما كانوا قبله، وأخبر أنهم كاذبون في زعمهم أنهم لو ردوا لآمنوا وصدقوا.
فإذا تقرر مقصود الآية ومرادها تبين معنى الإضراب بل وتبين معنى الذي بدا لهم والذي كانوا يخفونه، والحامل لهم على قولهم يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا، فالقوم كانوا يعلمون أنهم كانوا في الدنيا على باطل، وأن الرسل صدَقُوهم فيما بلغوهم عن الله وتبينوا ذلك وتحققوه، ولكنهم أخفوه، ولم يظهروه بينهم بل تواصوا بكتمانه، فلم يكن الحامل لهم على تمني الرجوع والإيمان، معرفة ما لم يكونوا يعرفونه من صدق الرسل، فإنهم كانوا يعلمون ذلك ويخفونه، وظهر لهم يوم القيامة ما كانوا ينطوون عليه من علمهم أنهم على باطل، وأنَّ الرسل على الحق، فعاينوا ذلك عيانًا بعد أن كانوا يكتمونه ويخفونه، فلو ردوا لما سمحت نفوسهم بالإيمان، ولعادوا إلى الكفر والتكذيب، فإنهم لم يتمنوا الإيمان لعلمهم يومئذٍ أنه هو الحق وأن الشرك باطل، وإنَّما تمنوا لمَّا عاينوا العذاب الذي لا طاقة لهم باحتماله ... » [1] .
ومن عقوبة الله - تبارك وتعالى - للمستهزئين: وقد كانوا يضحكون من المؤمنين ساخرين بهم، أن يعاقبهم الله تعالى بمثل صنيعهم فيسخر منهم المؤمنون في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ
(1) «عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين» (ص 187) .