فهرس الكتاب

الصفحة 902 من 1137

من أليم عقابه ونكال عذابه، ما أعدَّ منه لأعدى أعدائه وأشدِّ عباده حتّى ميز بينهم وبين أوليائه، فألحقهم من طبقات جحيمه بالدرك الأسفل، كان معلومًا أنه جل ثناؤه بذلك من فعله بهم، وإن كان جزاءً لهم على أفعالهم، وعدلًا ما فعل من ذلك بهم لاستحقاقهم إياه منه بعصيانهم له - كان بهم - بما أظهر لهم من الأمور التي أظهرها لهم: من إلحاقه أحكامهم في الدنيا بأحكام أوليائه وهم له أعداء، وَحَشْرِهِ إياهم في الآخرة مع المؤمنين وهم به من المكذبين - إلى أن ميَّز بينهم وبينهم - مستهزئًا وبهم ساخرًا، ولهم خادعًا، وبهم ماكرًا. إذ كان معنى الاستهزاء والسخرية والمكر والخديعة ما وصفنا قبل، دون أن يكون ذلك معناه في حالٍ فيها المستهزئ بصاحبه له ظالم، أو عليه فيها غير عادل، بل ذلك معناه في كل أحواله، إذا وُجدت الصفات التي قدمنا ذكرها في معنى الاستهزاء وما أشبهه من نظائره» [1] .

قلت: هذا الذي اختاره ابن جرير ورآه صوابًا في تأويل الآية مبني على أنَّ الآية نزلت في المنافقين، وهذا الذي ذكره إنما هو شأن عقوبة المنافقين الذين أظهروا الإسلام؛ فنالوا الأمن بسببه في الدنيا، وأبطنوا الكفر؛ فنالوا بسببه الدرك الأسفل من النار، فكان عقابهم في الآخرة من جنس صنيعهم في الدنيا، كما في آية الحديد والتحريم، أما الكافرين فعقوبتهم من لون آخر كما ذكر رحمه الله في الأقوال المتقدمة.

قال الحافظ: «وأمَّا نسبة السخرية إلى الله تعالى فهي على سبيل المقابلة» [2] .

وقال ابن تيمية: «وكذلك ما ادعوا أنَّهُ مجاز في القرآن كلفظ: «المكر» و «الاستهزاء» و «السخرية» المضاف إلى الله، وزعموا أنه مسمى

(1) «جامع البيان» (1/ 303 - 304 - شاكر) .

(2) «فتح الباري» (11/ 452) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت