وباطنًا»، ولأنَّا لا نُجَوِّزُ أن يقال: إنه في الباطن يجوز أن يكون مؤمنًا، ومن قال ذلك فقد مرق من الإسلام، قال سبحانه: {مَن كَفَرَ بِاللّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النحل: 106] .
ومعلوم أنه لم يرد بالكفر هنا اعتقاد القلب فقط، لأن ذلك لا يكره الرجل عليه، فعلم أن المراد من تكلم بكلمة الكفر، فينزَّل الحكم عليه، فيكفر ظاهرًا وباطنًا [1] .
قول بعض الفقهاء: «إنه لا يكفر إلّا الساب والمستهزئ المستحل» وهذا الرأي الشاذ نقله القاضي أبو يعلى عن فقهاء العراق، كما قال ابن تيمية: «وذكر القاضي عن الفقهاء أنّ سابّ النبيِّ - عليه الصلاة والسلام - إن كان مستحلًّا كفَرَ، وإن لم يكن مستحلًّا فسق، ولم يكفر كسابِّ الصحابة» [2] .
ونقل القاضي عياض مثل هذا عن فقهاء العراق أنهم أفتوا الخليفة هارون الرشيد، في رجل شتم النبي - صلى الله عليه وسلم - بِجَلْدِه، وأنكر مالك رحمه الله على هارون، وقال له: «يا أمير المؤمنين؛ ما بقاءُ الأمة بعد شتم نبيِّها، إن من شتم الأنبياء قُتِل، ومن شتم أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - جُلِدْ» [3] .
وقد حكى ابن حزم الخلاف في حكم الساب والمستهزئ، فذكر ثلاثة أقوال: منهم: من يرى كفره وردَّته، ومنهم: من قال: ليس بكفر، ومنهم من توقف. ثم نقل بعد ذلك اتفاق الأئمة الأربعة، وإسحاق بن رَاهُويَه، وسائر
(1) «الصارم المسلول» (ص 523 - 524) .
(2) المصدر نفسه (ص 514) .
(3) «الشفا» (2/ 954) .